حين يقدم رجل دولة استقالته في عز المعركة، وتحت عنوان "جرس إنذار"، فهو لا ينسحب من كرسي بقدر ما ينسحب من منهج. والمهندس بدر محمد باسلمه، بتوقيعه على بيان يوم الجمعة، لم يكن يخاطب الرأي العام بقدر ما كان يخاطب ضمير مجلس القيادة الرئاسي والحكومة، بل ويخاطب الدولة نفسها في لحظة مفصلية من عمرها.
اللافت في البيان أنه خلا من أي تفصيل شخصي أو إدانة مباشرة، وهذا وحده دليل على أن الرجل لا يبحث عن خصومة، بل عن تصحيح. فحين يقول "وحدة الصف وهيبة الدولة يجب أن ترتقيا فوق كل الحسابات والمصالح الضيقة" فهو يضع الإصبع على الجرح الذي لا يريد أحد أن يسميه: إننا نحكم اليوم بعقلية المكونات لا بعقلية الدولة. عشرة قنوات قرار، وعشرة أجندات، وعشرة مفاتيح للتعطيل، وفي المقابل مواطن واحد في عدن والضالع وتعز والمهرة ينتظر كهرباء وسعر صرف وراتب وكرامة. رجل الهندسة والمشاريع لا يمكن أن يصبر طويلاً في بيئة يصدر فيها القرار ليُلغى بمذكرة، وتُرفع فيه التوصية لتُدفن في درج، ويُطلب منه النتيجة بينما تُسحب منه الأداة.
ومن هنا نفهم لماذا كانت الاستقالة "صرخة حية" لا استقالة باردة. فالواقع الذي نعيشه لا يحتمل المجاملة. الدولة عاجزة عن توفير الحد الأدنى من الخدمات، والعملة تنهار، والرواتب تتأخر، والمواطن صار يرى في كل مسؤول واجهة لعجز المنظومة. وفي هذا السياق يصبح الاستمرار في المنصب مشاركة ضمنية في الفشل، لا خدمة للوطن. باسلمه اختار أن يخرج قبل أن يتحول اسمه إلى غطاء لعجز لا يد له فيه، وقبل أن تتحول توقيعاته إلى حبر على ورق لا ينفذ.
لكن الأخطر من ملف الخدمات هو ما لم يقله البيان صراحة. عبارة "الحسابات الضيقة" هي مفتاح التفسير. فالحكومة اليوم ليست حكومة واحدة بقدر ما هي انعكاس لتوازنات مجلس القيادة. كل مكون يريد وزارته إقطاعية، وكل طرف يريد قراره نافذاً، وكل جهة ترى في الدولة غنيمة لا مسؤولية. النتيجة هي شلل. لا مشروع وطني موحد، ولا خطة إنقاذ اقتصادية، ولا حتى خطاب سياسي واحد. وفي ظل هذا التشظي يصبح من العبث أن يطلب من أي وزير أن ينجز. الرجل الذي أمضى عمره في العمل الفني يعرف أن المشروع لا ينجح بلا مرجعية واحدة، وأن المعركة لا تُكسب بلا قيادة موحدة. ولذلك جاءت إشارته المتعمدة إلى "المعركة المشتركة إلى جانب المملكة العربية السعودية الشقيقة لدحر الإرهاب الحوثي" كتذكير قاسٍ: إن العدو واضح ومعروف، وإن أي جهد يُستنزف في الداخل هو خيانة ضمنية لدماء من سقطوا في الجبهات.
وهنا نصل إلى جوهر المسألة. استقالة باسلمه ليست استقالة فرد، بل هي استقالة من منطق إدارة الدولة بالارتجال. هي رفض لأن تظل القرارات رهينة للأمزجة، وأن تظل الوزارات ساحات صراع نفوذ، وأن تظل معركة استعادة الدولة مؤجلة إلى أجل غير مسمى. هو يقول لمجلس القيادة والحكومة بلغة راقية ومباشرة: إما أن نحكم بالأنظمة ونحترم القرار ونوحد الصف ونعود إلى جوهر المعركة، وإما أن نتهاوى واحداً تلو الآخر، وتتساقط هيبة الدولة قطعة قطعة.
إنها لحظة اختبار. فإما أن تُقرأ الاستقالة كحدث عابر يُطوى في أرشيف الأخبار، وتستمر الحكومة في دورانها المفرغ، وحينها سننتظر استقالة تلو استقالة حتى يفرغ المشهد من كل من يحمل هم الدولة. وإما أن تُقرأ كما أرادها صاحبها: ناقوس خطر، وفرصة أخيرة للمراجعة، ولملمة البيت الداخلي، واستعادة معنى أن تكون هناك دولة تُدار بالقانون لا بالمحاصصة، وبالمصلحة الوطنية لا بالمصالح الضيقة.
والله من وراء القصد.