يبدو أن غاز مأرب لن يصل إلى عدن وبقية المحافظات المحررة إلا بعد صراع مع قوى الفساد واللوبيات التي تحاول إعادة إنتاج نفسها تحت مسميات جديدة، أبرزها ما يُعرف بـ"القطاع القبلي". وهو عنوان يُستخدم، في نظر كثيرين، لتبرير ممارسات تعطل وصول سلعة أساسية يفترض أن تصل إلى المواطنين دون ابتزاز أو عراقيل.
لقد تحولت أزمة الغاز إلى بقرة حلوب للسوق السوداء، ومصدر دائم للجبايات والمكاسب غير المشروعة. وفي كل مرة تتكرر فيها الأزمة، يخرج بيان من الشركة اليمنية العامة للغاز بالصيغة ذاتها: "هناك أعمال صيانة دورية"، أو "تم رفع القطاع القبلي"، أو "عادت القاطرات إلى طريقها، وعادت الأمور إلى طبيعتها". حتى أصبحت هذه البيانات تتكرر بصورة أفقدتها مصداقيتها لدى كثير من المواطنين، بينما يبقى المواطن وحده من يدفع ثمن الأزمة.
هكذا تعمل لوبيات الأزمات؛ تصنع المشكلة، ثم تقدم التبريرات نفسها، وكأنها تقدم حلولًا، فيما تستمر معاناة الناس وتتوسع دائرة المستفيدين من الفوضى.
ومنذ أزمة عام 2011، ثم اندلاع الحرب في عام 2015، تراجعت ظاهرة التقطعات القبلية على الطرق بفعل ظروف الحرب وتغير موازين القوى. أما اليوم، فتبدو هناك محاولات لإعادة فرض السيطرة على طرق نقل النفط والغاز، وإحياء أساليب الابتزاز القديمة تحت ذرائع مختلفة، بما يفتح المجال لتنشيط السوق السوداء وجمع الأموال لصالح مراكز نفوذ قبلية.
لقد أصبح المواطن يدرك أن هذه الأزمات لا تنشأ من فراغ، وأن وراء كثير منها مصالح مالية تستفيد من استمرار الفوضى وتعطيل وصول السلع والخدمات الأساسية. ولذلك، فإن حماية طرق الإمداد وفرض هيبة الدولة وسيادة القانون على الجميع يجب أن تكون أولوية لا تحتمل التأجيل، لضمان وصول الغاز إلى المواطنين بعيدًا عن الابتزاز والمصالح الضيقة.
ويبقى السؤال المطروح أمام مجلس القيادة الرئاسي والحكومة: هل ستكون مواجهة شبكات الفساد والسماسرة واللوبيات التي تتاجر بمعيشة الناس ضمن أولويات المرحلة، أم ستظل البيانات والتبريرات تتكرر بينما تتكرر معها الأزمات؟ إن المواطنين ينتظرون مواقف حازمة وإجراءات عملية، لا بيانات موسمية، ويأملون أن يروا رجال دولة ينحازون لحقوق الشعب، ويقفون صفًا واحدًا في مواجهة كل من يحول قوت الناس إلى وسيلة للابتزاز والإثراء غير المشروع.
كتب /سمير الوهابي.