المشاريع السياسية التي لا تاخذ التاريخ في الاعتبار ولا تعمل حساب للجغرافيا تتعثر دائما وتفشل غالبا بعد ان يدفع الوطن والمواطن اثمان باهضة بشرياً وتنموياً ولايعترف بهذا الخطاء لاحقا الا قلة من الشجعان الذين قادوا هذه المشاريع عندما يصلون إلى سن التقاعد وبعد فوات الأوان.
# على المدى القريب لدينا تجربة تاريخية واضحة في ١٩٩٤ انحصر فيها الصراع الداخلي بين طرفين اثنين والتدخل الخارجي محدود للغاية وعلى استحياء وانتصر طرف عسكريا على الطرف الآخر بشكل كامل لكن هذا النصر العسكري لم يحقق الانتصار السياسي المستدام والمنشود بل العكس تماما، كانت نتائج الحرب احد الاسباب لفشل اكبر مشروع سياسي في جنوب الجزيرة العربية منذ قرون مضت وهو مشروع الوحدة اليمنية 1990.
مقارنة ذلك مع الوضع اليوم سنجد ان لدينا اطراف داخلية متعددة منخرطة او تريد الانخراط في الحلول العسكرية ولكل طرف مشروعه السياسي المختلف عن الاخرين وان تغطى الاغلبية بمظلة الجمهورية اليمنية لكننا نعلم جميعا ما يوجد تحت المظلة.
ولدينا اليوم اطراف اقليمية ودولية منخرطة في هذا الصراع بشكل مباشر بكامل قوتها السياسية و/ او العسكرية.
هذا الازدحام العسكري والسياسي على مسرح العمليات يجعل المهام اكثر تعقيدا وتحقيق اي نصر منفرد أمرا غير قابل للتطبيق.
ما هي النتيجة المتوقعة محليا اذا ؟
النتيجة حروب عسكرية غير مكتملة دون انجاز اي مشروع سياسي جامع وقابل للحياة.
ورصيد اضافي سوف يدفعه الوطن ثمنا لذلك.
# وعلى المدى البعيد لدينا واقع اجتماعي وتنوع طائفي قائم منذ القرن الثالث الهجري ومستمر حتى يومنا هذا في القرن الخامس عشر... واقع مستدام منذ أكثر من الف عام :
مذهب زيدي لقبائل الهضبة اليمنية ترابط فيه بشكل عضوي المذهب الديني مع الانتماء القبلي إذ لايمكن الفصل بسهولة بين حاشد والزيدية ولا بين الزيدية وبكيل حتى وان وجدت استثناءات محدودة حتى اصبحت المرجعية القبلية الزيدية و المرجعية الزيدية الدينية حصن حصين لبعضهما البعض كل منهما يدافع عن الأخر في المنعطفات التاريخية.
ولدينا بقية خريطة الجمهورية اليمنية المذهب الشافعي الذي مثل مرجعية دينية واحدة حاضرة في ادارة الشأن العام ومقرها حضرموت وذلك لمجتمعات قبلية متعددة على امتداد ارض الجنوب العربي لمئات السنين حتى قيام الدولة الجامعة في نوفمبر 1967 بينما بقي شوافع المنطقة الوسطى للعربية اليمنية خارج هذه المرجعية وربما بسبب السياق التاريخي المتفرد الذي مرت به هذه المناطق وتطور الدولة الصليحية على اراضيها وارتباطها بالحكم الفاطمي الاسماعيلي بمصر ثم الأيوبيين والدولة الرسولية لاحقا .
هذه لمحة سريعة لتطورات اجتماعية ودينية مختلفة شهدتها خريطة الجمهورية اليمنية خلال قرون طويلة بمستويات مختلفة ومتباينة وشكلت جزء جوهري من تعدد الهويات للمحتمعات المحلية ويمثل هذا التنوع احد أوجه الغنى الحضاري ومصدر قوة لاي دولة اذا قامت على مبداء المساواة والتعايش فيما بين مكوناتها الداخلية وليس على مبداء الغلبة لمكون اجتماعي على حساب المكونات الاخرى... والتاريخ اثبت ذلك حيث استطاعت الدولة القاسمية الزيدية بسط حكمها على معظم الأراضي الجنوبية من مواقع الزيدية التقليدية حتى وصلت حضرموت في نهاية القرن العاشر بداية القرن الحادي عشر الهجري لكنها سرعان ما انكمشت وعادت لمواقعها التقليدية في سنوات محدودة بسبب مقاومة المجتمعات الجنوبية المحلية لها.
والعكس كذلك والشواهد كثيرة بوصول الرسوليون إلى حكم صنعاء وعلى بن الفضل قبلهم بقرون وغيرهم في مراحل سابقة لكنه حكم لم يدم بسبب المقاومة الزيدية المحلية.
# هذا هو التاريخ ، فلماذا لا ناخذ العبر منه ونحترم الجغرافيا ولا نتجاهل الخصائص الاجتماعية المتنوعة خصوصا والزيدية والشافعية كمراجع دينية قدمت فقهيا ما يكفي للتعايش السلمي بين الجميع.
الخلاصة :
اليوم نشاهد اندفاع حوثي للخيار العسكري محليا واستعداد مقابل من بعض اطراف الشرعية للذهاب في هذا الخيار.
وفي كل الحالتين ومهما بلغ التفوق العسكري لاي طرف فلن يستطيع الحوثي وان كسب المعركة العسكرية تكتيكيا لن يستطيع في بسط اي نظام سياسي دائم بشكل منفرد على معظم ما بقى خارج سيطرته حتى الان بل سيكون هذا التوسع هو انتحار استراتيجي له.
وبالمقابل لن تستطيع لا قوات الشرعية الموجودة اليوم ولا اي قوة اخرى في العالم كله حتى وان وصلت عسكريا إلى صنعاء فلن تستطيع إقامة اي نظام سياسي مستدام قائم على اساس تدجين الزيدية في عقر دارهم.
وما نجح من تجارب تدجين بعض المذاهب في دول اخرى لايصلح في اليمن ولكل بلد خصوصياته ألتي لايمكن القفز عليها.