آخر تحديث :الأحد - 16 أغسطس 2026 - 01:45 ص

كتابات


محبوب علي.. سيرة رجل ومرارة زمن لا يرحم

الأحد - 16 أغسطس 2026 - 12:38 ص بتوقيت عدن

محبوب علي.. سيرة رجل ومرارة زمن لا يرحم

علي سيقلي

هناك أوجاع لا تحتاج إلى كثير من الشرح، لأنها أكبر من أن تختصرها الكلمات، وهناك مظالم لا تحتاج إلى شهود، لأن أصحابها حملوا صمتهم سنوات طويلة، وطرقوا من الأبواب ما يكفي لإقناع الحجر بأن للإنسان حقًا في أن يعيش بكرامة.


ومن بين هذه الوجوه التي أرهقها الانتظار، يقف الصحفي الكبير محبوب علي، رجلٌ لم يكن عابرًا في تاريخ الصحافة، ولا اسمًا طارئًا على المشهد الإعلامي والسياسي، بل واحدًا من أولئك الذين صنعت المهنة بهم صفحات من تاريخها، وصاغوا بالكلمة مواقف وأحداثًا بقيت شاهدة على زمنها.

محبوب علي كان نائب رئيس الاتحاد الدولي للصحفيين، من موقعه في منظمة الصحفيين الديمقراطيين في الجنوب، وكان ممن أسهموا في تأسيس مقعد اليمن الديمقراطية في اتحاد الصحفيين العرب. ويحمل كذلك صفة نائب رئيس مجلس الوزراء.

كل هذه الصفات، وكل هذا التاريخ، وكل هذه المكانة، لم تستطع أن تفتح بابًا واحدًا في وجه رجلٍ يبحث عن أبسط حقوقه: راتبًا توقّف منذ عام 2015.


أحد عشر عامًا تقريبًا، والرجل يصبر ويصابر ويتحمل، لا الفقر وحده، وإنما مرارة أن يرى من أحبهم، ومن رافقهم، ومن عرفوه وعرف تاريخهم، يمرون من أمام وجعه وكأنهم لم يروه.

طرق محبوب علي أبوابًا كثيرة، وذهب إلى أصحاب القرار، واستنجد بمن يظن أن بينه وبينهم من المودة والتاريخ ما يكفي لنجدة رجل في مثل مكانته. لكنه، في كل مرة، كان يعود بخيبة جديدة.

ولم تشفع له صفته.

ولم تشفع له مكانته.

ولم يشفع له تاريخه.

ولم يشفع له حتى عمره الذي أمضاه في خدمة الصحافة والوطن.

وحين ضاقت به السبل، ناشد صديقه المقرب الدكتور يحيى الشعيبي، لعله يجد عنده ما يعيد الأمور إلى نصابها. فأحاله إلى مديرة مكتبه الدكتورة رانيا المقرمي، بحسب ما يروي محبوب ومن تابعوا قضيته.

وهنا بدأت صفحة أخرى من المعاناة؛ متابعات مضنية، وانتظار طويل، ومحاولات متكررة، وتعليمات قيل إنها صدرت، ثم لم يجد الرجل أثرًا لها على أرض الواقع.

ولا ندري لماذا.

ولا نعرف ما الذي حال دون إنصافه.

ولا نملك إلا أن نتساءل: كيف يمكن أن تضيع معاناة رجل بهذا التاريخ بين المكاتب، والملفات، والتوجيهات، والمتابعات؟

وكأن اسم محبوب علي، بكل ما يحمله من معنى، صار في زمننا نقيضًا لحال صاحبه؛ محبوبٌ في اسمه، ومنسيٌّ في واقعه.

يا لهذا الزمن القاسي!

أي زمن هذا الذي يمكن أن يعيش فيه رجل كان في موقع نائب رئيس الاتحاد الدولي للصحفيين، ويحمل صفة نائب رئيس مجلس الوزراء، ويمتلك تاريخًا مهنيًا وسياسيًا يعرفه القاصي والداني، ثم يجد نفسه عاجزًا عن الحصول على راتبه؟

أي دولة هذه التي يمكن أن تترك رجلًا خدمها، وكتب لها، ودافع عنها، وصنع جزءًا من ذاكرتها الصحفية، يواجه سنوات من العوز والانتظار؟

وأي قسوة هذه التي تجعل الإنسان لا يجد في دفتر علاقاته الطويلة رجلًا واحدًا يستطيع أن يقول: كفى... أعطوا الرجل حقه!

محبوب علي ليس حالة نادرة، وهذه هي الفاجعة الأكبر.

فكم من رجل دولة أُهمل؟

وكم من صحفي أُنهك؟

وكم من موظف أفنى عمره في الخدمة ثم وجد نفسه في آخر الطريق يبحث عمن يسمع صوته؟

لكن مأساة محبوب علي تظل أكثر إيلامًا؛ لأن كل من يعرفه يصعب عليه أن يصدق أن هذا الرجل، بكل تاريخه وعلاقاته ومكانته، يعيش غربته بلا راتب، وأن أبوابًا كثيرة ظل يطرقها دون أن تفتح له.

إنها ليست قصة راتب متوقف فحسب.

إنها قصة جحود.

قصة زمنٍ تتراجع فيه قيمة الإنسان كلما تقدم به العمر، وتصبح فيه الذاكرة عبئًا بدل أن تكون تكريمًا، ويُكافأ الوفاء بالنسيان، ويُقابل المعروف بالنكران.

والأشد مرارة أن بعض من عاشوا مع محبوب علي مراحل طويلة من الحياة، وعرفوا فضله، وعرفوا مواقفه، ويعرفون اليوم ما آل إليه حاله، لم يستطيعوا أن يفعلوا شيئًا.

أو ربما لم يريدوا.

وهنا لا أملك إلا أن أتساءل:

ماذا بقي لمحبوب علي ليقوله بعد أن طرق كل الأبواب الموصدة؟

ماذا يمكن لرجل في مثل سنه وتاريخه أن يفعل أكثر من أن يناشد؟

هل عليه أن يطرق أبوابًا أخرى؟

أم أن عليه أن يطرق باب الله، بعدما أغلقت أبواب البشر؟

ربما كان هذا هو الباب الوحيد الذي لا يحتاج إلى واسطة، ولا إلى توصية، ولا إلى موعد، ولا إلى مدير مكتب.

ولذلك نقولها بمرارة، لا شكوى على الناس، وإنما تذكيرًا بأن فوق الناس ربًا لا تضيع عنده الحقوق:

الشكوى لغير الله مذلة.

وإذا كان محبوب علي قد طرق أبواب البشر حتى أتعبه الطرق، فإننا نسأل الله ألا يجعلنا يومًا في حاجة إلى مخلوق، وألا يذيقنا مرارة الوقوف على أبواب من لا يشعرون بوجعنا.

اللهم لا تحوجنا لمخلوق.

أما محبوب علي، فله منّا كلمة واحدة:

لقد ظلمك زمنٌ نسيَ الرجال، لكن التاريخ لا ينسى.

وسيظل ما كتبته، وما قدمته، وما تركته في ذاكرة الصحافة، شاهدًا عليك لهم لا عليك.

وسيأتي يوم يعرف فيه الناس أن أشد ما يؤلم في الحكاية ليس أن يتوقف راتب رجل أحد عشر عامًا، وإنما أن تتوقف في القلوب تلك النخوة التي كانت تجعل إنسانًا يقف إلى جانب إنسان.

الله يعين المسكين منا... حين يصبح الحق بحاجة إلى من يتذكره.