آخر تحديث :الأربعاء - 30 سبتمبر 2026 - 12:42 م

كتابات واقلام


المنظمة الدولية لحقوق الإنسان تحضّر لمؤتمر مرتقب.. هل تقترب نهاية حرب تجاوزت أحد عشر عامًا؟

الأربعاء - 30 سبتمبر 2026 - الساعة 12:42 م

علي سيقلي
بقلم: علي سيقلي - ارشيف الكاتب


*
*علي سيقلي*

في خضم المشهد اليمني المثقل بالحرب والانقسام، يتداول حاليًا خبر يحمل قدرًا كبيرًا من الأهمية، ويتحدث عن تحضيرات لعقد لقاء دولي في تركيا، يضع وقف الحرب في اليمن على طاولة واحدة، بمشاركة أطراف إقليمية ودولية ترتبط بصورة مباشرة أو غير مباشرة بالملف اليمني.
وبحسب المعلومات المتداولة، فإن اللقاء المرتقب يفترض أن يجمع إيران والسعودية والإمارات وقطر وتركيا، إلى جانب طرفين يمنيين يمثلان الشمال والجنوب، في محاولة لفتح مسار مختلف عن مسارات التفاوض السابقة التي طال أمدها، بينما بقي اليمن عالقًا بين الحرب والهدنة والوعود المؤجلة.
ولا تكمن أهمية هذا الحديث في مكان انعقاد اللقاء فحسب، بل في طبيعة الأطراف المفترض جلوسها حول الطاولة.
فاليمن لم يعد مجرد ملف داخلي يمكن حله بعيدًا عن اللاعبين الإقليميين. سنوات الحرب جعلت من البلاد ساحة تتقاطع فيها حسابات متعددة، وأصبح أي حديث جدي عن إنهاء الصراع بحاجة إلى معالجة شبكة المصالح الإقليمية التي ساهمت في إطالة أمده.
ومن هنا تأتي أهمية الحديث عن لقاء يضم هذه الأطراف مجتمعة، إذا ما تأكد انعقاده رسميًا.

من الحرب إلى طاولة واحدة

الحرب اليمنية لم تعد مجرد أرقام في نشرات الأخبار.
خلف سنواتها الطويلة هناك قتلى وجرحى، وأسر فقدت معيلها، وأطفال دفعوا ثمن صراع لم يختاروه، ومدن تضررت بنيتها التحتية، واقتصاد أنهكته الأزمات، ومجتمع أنهكته الانقسامات.
والأخطر من كل ذلك أن استمرار الحرب جعل الاستثناء هو القاعدة، وأصبح اليمني يتعامل مع الأزمات المتلاحقة باعتبارها جزءًا من الحياة اليومية.
لهذا فإن أي تحرك حقيقي باتجاه وقف الحرب لا يمكن أن يُقرأ باعتباره مجرد اجتماع سياسي جديد؛ بل باعتباره اختبارًا حقيقيًا لمدى استعداد الأطراف المؤثرة للانتقال من إدارة الصراع إلى البحث عن تسوية قابلة للحياة.
السؤال الأصعب: أي يمن بعد الحرب؟
وهنا تبرز القضية الأكثر حساسية.
وقف إطلاق النار، مهما كانت أهميته، لا يعني بالضرورة انتهاء الأزمة اليمنية.
فالحرب قد تتوقف، لكن القضية السياسية التي أنتجت الصراع ستظل قائمة ما لم تجد طريقها إلى الحل.
ولهذا فإن مشاركة طرفين يمنيين يمثلان الشمال والجنوب ــ وفق المعلومات المتداولة ــ تكتسب أهمية خاصة؛ لأن أي تسوية لا تأخذ في الاعتبار طبيعة الواقع اليمني وتعقيداته السياسية والجغرافية، قد تنجح في إسكات البنادق مؤقتًا، لكنها لن تكون بالضرورة نهاية للصراع.
اليمن بحاجة إلى سلام لا يعيد إنتاج الحرب بأدوات أخرى.
وبحاجة إلى تسوية سياسية تعترف بتعدد القضايا والمصالح، بدل اختزال المشهد كله في طرفين أو ثلاثة، وكأن سنوات الحرب لم تترك وراءها واقعًا جديدًا يحتاج إلى معالجة سياسية مختلفة.

تركيا.. وطاولة المصالح المتعارضة

اختيار تركيا مكانًا محتملًا للقاء، وفق المعلومات المتداولة، يضيف بعدًا آخر للمشهد.
فأنقرة تمتلك علاقات مع أطراف إقليمية مختلفة، وتتحرك في ملفات المنطقة من خلال شبكة واسعة من العلاقات السياسية والدبلوماسية.
لكن نجاح أي لقاء من هذا النوع لن تقرره الجغرافيا، ولا الدولة المضيفة، وإنما إرادة الأطراف المشاركة في الوصول إلى اتفاق.
وهنا تحديدًا يكمن الاختبار.
هل تستطيع الأطراف التي اختلفت طويلاً حول اليمن أن تجلس هذه المرة ليس للبحث عن مكاسب إضافية، وإنما للبحث عن صيغة تنهي الحرب؟
اليمن أولًا
ربما تكون هذه هي اللحظة التي يجب أن يتغير فيها السؤال.
ليس: من انتصر؟
ولا: من خسر؟
بل: كيف يخرج اليمن من الحرب؟
فالبلد الذي دفع هذا الثمن الباهظ لا يحتمل جولة جديدة من المفاوضات التي تنتهي إلى بيانات جميلة وواقع أكثر قسوة.
وإذا صحت المعلومات المتداولة عن هذا اللقاء، فإن أهم ما ينبغي أن يحمله إلى الطاولة هو صوت اليمنيين أنفسهم؛ بكل قضاياهم ومخاوفهم وتطلعاتهم، بعيدًا عن اختزال اليمن في مصالح العواصم الإقليمية.
فالسلام الحقيقي لا يصنعه الخارج وحده، وإن كان الخارج قادرًا على وقف الحرب أو إطالتها.
والتسوية المستدامة لا تقوم على توزيع النفوذ، وإنما على معالجة جذور الأزمة ووضع ضمانات واضحة لما بعد الحرب.
في النهاية، قد يكون اجتماعًا جديدًا من عشرات الاجتماعات التي عرفها اليمن خلال سنوات الحرب، وقد يكون بداية لمسار مختلف.
لكن المؤكد أن اليمن لم يعد يملك ترف الانتظار.
فثماني سنوات من الحرب كانت أكثر من كافية لتثبت أن استمرارها لن يصنع سلامًا، وأن الطريق إلى السلام يبدأ عندما تتوقف الأطراف عن إدارة الحرب، وتبدأ أخيرًا في إدارة الحل.