آخر تحديث :الأحد - 16 أغسطس 2026 - 01:55 م

من تاريخ عدن


عدن التي .. أياد حضرمية أسهمت في نهضتها وبنائها من العمارة والقانون إلى زمن الفوضى

الأحد - 16 أغسطس 2026 - 01:17 م بتوقيت عدن

عدن التي .. أياد حضرمية أسهمت في نهضتها وبنائها
من العمارة والقانون إلى زمن الفوضى

سعيد عمشوش

ليست عدن مدينةً صنعتها الجغرافيا وحدها، ولا الميناء وحده، ولا الإدارة البريطانية وحدها. عدن، في صورتها الحديثة، كانت حصيلة تفاعل طويل بين البحر والتجارة والهجرة ورأس المال والعمل والعلم. وفي قلب هذه الحكاية يقف الحضور الحضرمي بوصفه واحداً من أهم المكونات التي أسهمت في صناعة المدينة اقتصادياً وعمرانياً وتعليمياً وإدارياً.

ومن يريد أن يقرأ عدن من دون أن يرى هذا الحضور، إنما يقرأ نصف المدينة ويترك نصفها الآخر في الظل.

ولعل المفارقة الأكثر إيلاماً أن رجالاً جاءوا إلى عدن بأموال اكتسبوها في أصقاع بعيدة، من شرق إفريقيا وشرق آسيا، بعدما حملتهم الهجرة الحضرمية إلى زنجبار وكينيا وتنزانيا وإندونيسيا وسنغافورة وغيرها، عادوا إلى المدينة التي رأوا فيها بوابة الوطن وفرصة الاستثمار، فحوّلوا جزءاً من ثرواتهم إلى تجارة وعقار ومصانع ومشروعات، ثم وجد أحفادهم أنفسهم، بعد عقود، أمام أسئلة الملكية والتأميم والاستيلاء والتعويض التي لم تجد جواباً عادلاً ونهائياً حتى اليوم.


وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية. رأس المال الحضرمي الذي عاد إلى الوطن:

لم تكن الهجرة الحضرمية إلى عدن ظاهرة مستحدثة في القرن العشرين؛ فالعلاقة بين حضرموت وعدن قديمة قدم الطرق التجارية في جنوب الجزيرة العربية. وتشير الدراسات التاريخية إلى أن الحضارم مارسوا التجارة في عدن منذ قرون، وامتلك بعضهم الدكاكين والدور والفنادق والعقارات، وأسهموا في تنشيط الأسواق وتوفير الخدمات للوافدين والمسافرين.

لكن موجة جديدة من هذه العودة برزت بصورة واضحة في خمسينيات وستينيات القرن العشرين، حين أخذ عدد من الحضارم الذين راكموا ثرواتهم في إندونيسيا وسواحل شرق إفريقيا يعودون إلى عدن، حاملين معهم رؤوس أموالهم وخبراتهم التجارية وشبكات علاقاتهم الممتدة عبر المحيط الهندي. وتذكر مصادر تاريخية أن الطفرة الاقتصادية التي شهدتها عدن في الخمسينيات والستينيات جذبت رؤوس أموال حضرمية استثمرت في العقار والصناعة والتجارة.

لم يكن هؤلاء ينظرون إلى عدن بوصفها محطة مؤقتة لتحويل الأموال إلى الخارج، بل بوصفها مدينة يمكن أن تستقر فيها الثروة وتتحول إلى عمران.

وهنا يصبح الحجر وثيقة تاريخية. ففي المعلا، والتواهي، وخور مكسر، وكريتر، ظهرت العمارات الحديثة والمباني التجارية والسكنية التي كانت تعكس انتقال عدن من مدينة الميناء القديم إلى مدينة حديثة تتسع لسكانها وللعاملين في الميناء والشركات والمرافق والإدارة.

وفي ثلاثينيات القرن الماضي، كان الحضور الحضرمي في اقتصاد عدن قد بلغ من القوة أن التقارير الإدارية البريطانية وثقت قيام عدد من التجار الحضارم المقيمين في المعلا ببناء السفن الخشبية، بمعدل يقارب خمس سفن سنوياً، وكانت هذه السفن تبحر بين موانئ الخليج وشرق إفريقيا والهند.

لم يكن الحضرمي في عدن مجرد بائع في سوق أو وسيط تجاري. كان تاجراً وصانعاً وممولاً ومالك عقار، وكان المال عنده وسيلة لبناء المستقبل، لا مجرد وسيلة للاستهلاك.

وهذا هو الفارق. العمارة التي سبقت الدولة:

ثمة حكاية تتردد في الذاكرة العدنية عن العمارات التي شيدها تجار حضارم في منتصف القرن الماضي، ولا سيما في المعلا، وكيف كانت تؤجر في البداية للموظفين البريطانيين والغربيين، ثم أصبحت بعد رحيل البريطانيين مساكن للقادمين من مختلف مناطق الجنوب.

هذه الرواية تجد لها سنداً في المصادر المحلية التي توثق عودة رؤوس الأموال الحضرمية من شرق إفريقيا وإندونيسيا واستثمارها في العقار والصناعة والتجارة، وتذكر بصورة خاصة العمارات الحديثة التي شيدها مستثمرون حضارم في المعلا. (

ومن المهم هنا أن نتوقف عند معنى هذه العمارات. فالمستثمر الحضرمي لم يكن يبني لنفسه بيتاً فحسب. كان يبني طبقات سكنية في مدينة كانت تستقبل الموظفين والعمال والتجار والبحارة والطلاب والوافدين. وكان العقار جزءاً من دورة اقتصادية كاملة: الأرض، والبناء، والمقاول، والعامل، ومواد البناء، والتأجير، والصيانة، والتجارة.

ومن أشهر الشواهد على هذا الدور ما ارتبط بأعمال أسرة الكاف، التي ارتبط اسمها بعدن بمجموعة من المشاريع والمباني، ومنها ما يعرف بعمارات الكاف، فضلاً عن إسهامات أخرى في الكهرباء والمياه والزراعة والطب والسدود. وكانت عمارة عدن في ذلك الزمن تعبر عن فلسفة اقتصادية مختلفة تماماً عن فلسفة الاستيلاء. كان صاحب المال يبني، فيصبح البناء ملكاً له، ويستفيد المجتمع من البناء، ويستفيد العامل من العمل، ويستفيد المستأجر من السكن، وتستفيد المدينة من اتساع عمرانها.

أما حين يتحول العقار إلى غنيمة سياسية، فإن دورة البناء تتوقف، ويحل محلها سؤال واحد: لمن ستكون اليد العليا؟

ثم جاء التأميم

بعد الاستقلال دخل الجنوب مرحلة سياسية واقتصادية جديدة. وباسم إعادة توزيع الثروة وبناء الاقتصاد الاشتراكي، جرى خلال الفترة الممتدة من أواخر الستينيات إلى أوائل السبعينيات تأميم واسع للأراضي والمؤسسات التجارية والمصارف ووسائل النقل والمساكن والعقارات.

وكان قانون الإسكان رقم 32 لسنة 1972 من أكثر القوانين تأثيراً في الملكية العقارية، إذ أدى إلى تأميم العقارات السكنية والتجارية، مع استثناء المسكن الذي يقيم فيه المالك، وأعيد توزيع كثير من العقارات المؤممة ضمن نظام الإسكان الحكومي. كما طالت قوانين أخرى المصارف والشركات وقطاعات اقتصادية متعددة.

وهنا لا بد من قول الحقيقة كاملة، لا نصف الحقيقة.

فالتأميم لم يستهدف الحضارم وحدهم، بل كان جزءاً من مشروع اشتراكي واسع استهدف الطبقة المالكة والقطاع الخاص ومصالح أجنبية ومحلية متعددة. لكن الحضارم كانوا من أكثر الفئات التي امتلكت تجارة وعقارات وشركات في عدن، ولذلك كان وقع هذه السياسات عليهم كبيراً.

لم تكن المسألة بالنسبة إلى التاجر الحضرمي مجرد فقدان متجر أو عمارة.

كانت المسألة انهيار علاقة عمرها عقود بين المال والعمل والمدينة.

كان الرجل الذي عاد من زنجبار أو مومباسا أو سنغافورة وهو يحمل ثمرة عمره، قد تصور أن عدن ستكون المكان الذي يستثمر فيه ما جمعه في الغربة. فإذا بالدولة التي يفترض أن تحمي الملكية الخاصة تنزع عنه ملكيته باسم القانون.

والقانون هنا هو بيت القصيد. فقد يكون للسياسة رأي، وللاقتصاد فلسفة، وللدولة مشروع اجتماعي، لكن الملكية الخاصة لا يجوز أن تتحول إلى ورقة في لعبة السلطة من دون عدالة وتعويض منصف.

لم يكن الحضارم تجاراً فقط. ومن الظلم أن تختزل قصة الحضارم في عدن في أصحاب العمارات والدكاكين. فبعد الاستقلال، احتاجت الدولة الجديدة إلى كوادر قادرة على تشغيل الوزارات والمرافق والمؤسسات التي ورثتها من الحقبة الاستعمارية، وفي هذه المرحلة برز عدد كبير من أبناء حضرموت في الإدارة والتعليم والجامعة.

فمحمد عبد القادر بافقيه، الذي عُيّن أول وزير للتربية والتعليم في الجنوب، خاطب اليونسكو عام 1968 بشأن إنشاء كلية للتربية في عدن، واستمر في دفع المشروع حتى تبنته المنظمة الدولية. وفي عام 1970 أصدر عبدالله عبدالرزاق باذيب، وزير التربية والتعليم آنذاك، قرار تأسيس كلية التربية العليا في عدن، التي أصبحت لاحقاً إحدى اللبنات الأساسية لجامعة عدن.

ثم جاء جيل كامل من الأكاديميين والإداريين الحضارم الذين شاركوا في بناء مؤسسة التعليم العالي. سعيد عبد الخير النوبان لم يكن اسماً عابراً في تاريخ التعليم العدني؛ فقد تولى وزارة التربية والتعليم، ثم أصبح رئيساً لجامعة عدن، كما يظهر في السجل الرسمي للجامعة ضمن سلسلة قياداتها الأكاديمية. (

وسالم عمر بكير تولى رئاسة الجامعة بين 1982 و1986، ثم جاء محمد سعيد العمودي رئيساً لها من 1986 حتى منتصف التسعينيات وفق مصادر جامعة عدن.

وهناك أسماء أخرى كثيرة، من بينها صالح باعامر، وسالم بكير، ومحمد سعيد العمودي، وسعيد النوبان، وغيرهم من رجال التربية والتعليم والإدارة والثقافة.

وفي الجانب الهندسي والفني، شارك مهندسون حضارم، ومنهم أفراد من آل باسباع، إلى جانب العمال الحضارم، ومنهم التريميون، في أعمال التشييد والتعمير والخدمات. أي أن الحضور الحضرمي في عدن لم يكن حضور رأس مال فقط، وإنما كان رأس مال وعقلاً ويداً عاملة. وهذه نقطة مهمة جداً. فالمجتمع الذي يساهم في بناء العمارة هو نفسه الذي يساهم في بناء المدرسة والوزارة والجامعة والمرفق العام.

مكتب الاتصال... صورة أخرى للانتماء

ومن الصور التي تستحق أن تستعاد في ذاكرة عدن مكتب اتصال حضرموت في خور مكسر، الذي ظل يؤدي دوراً في تسهيل التواصل بين حضرموت وأبنائها المقيمين في عدن. لم يكن المكتب مجرد عنوان إداري. كان فكرة.

فكرة أن القادم من حضرموت إلى عدن لا ينقطع عن أهله، وأن عدن ليست مكاناً للاغتراب الداخلي، بل مدينة تتسع لأبنائها ولأبناء المحافظات الأخرى.

وتتداول روايات محلية أن هذا المكتب ظل يؤدي دوره حتى ما بعد الوحدة، قبل أن تؤول ملكيته أو مقره إلى جهة أخرى في أعقاب حرب 1994. وهذه الجزئية تحديداً تحتاج إلى مزيد من التوثيق الأرشيفي قبل تقديمها بوصفها واقعة محسومة.

لكن الفكرة الأوسع ثابتة: كان للحضارم في عدن شبكات اجتماعية وتجارية وتعليمية ومؤسسية ربطت المدينة بحضرموت وربطت أبناء الجالية الحضرمية بعضهم ببعض.


من دولة القانون إلى قانون البلطجة والقوة

وهنا نصل إلى أكثر فصول الحكاية مرارة. كان يمكن للوحدة اليمنية عام 1990 أن تكون لحظة تاريخية لإغلاق ملف التأميم وإعادة بناء الثقة بين الدولة والمواطن.

وبالفعل بدأت محاولات لمعالجة ملف الملكية. وتشير دراسة مركز صنعاء إلى أن لجنة رسمية شكلت عام 1991 للنظر في المطالبات المتعلقة بالممتلكات السكنية التي صودرت في عهد الدولة الاشتراكية، وأن آلاف المطالبات قُدمت، وتمكن نحو 4,400 مطالب من استعادة ممتلكاتهم، بما يعادل 22 في المائة من إجمالي 19,671 مطالبة؛ إلا أن المعالجة اتسمت بالغموض وعدم التناسب بين التعويضات وقيمة الممتلكات الأصلية. (

أي أن ملف التأميم لم يُغلق. بل انتقل من عهد إلى عهد، ومن لجنة إلى لجنة.

ثم جاءت حرب 1994 لتفتح الباب على مصراعيه أمام مأساة أخرى: مأساة الاستيلاء على الأراضي والممتلكات باسم النفوذ السياسي والعسكري.

وإذا كان التأميم الأول قد جرى بقانون معلن، فإن ما تلاه في فترات مختلفة أخذ أشكالاً أخرى: تخصيصات، قرارات إدارية، نفوذ عسكري، عقود متضاربة، بسط على الأراضي، تعطيل للمحاكم، ومنع للسجل العقاري من أداء دوره.

وهذا ليس مجرد انطباع صحفي. بل هناك دراسة توثق أن فترة ما بعد الوحدة، ولا سيما بعد حرب 1994، شهدت إعادة توزيع أراضٍ مملوكة للدولة عبر شبكات محسوبية سياسية وعسكرية وقبلية، وأن المحاكم مُنعت من قبول قضايا متعلقة بالأراضي أو تنفيذ أحكام نهائية في هذا المجال منذ 1994، كما تعرضت الأراضي والممتلكات للاستيلاء بالقوة أو النفوذ. (

وهنا تبدو المفارقة بأوضح صورها: في الأمس كانت الدولة تقول: هذا العقار لي لأن القانون الاشتراكي قال ذلك. وفي اليوم التالي صار آخرون يقولون: هذا العقار لي لأن القوة قالت ذلك.

النتيجة واحدة في الحالتين: المالك الأصلي يقف خارج الباب.

لماذا ابتعد الحضارم؟

من السهل أن يقال إن الحضارم انسحبوا من عدن لأن حضرموت تطورت، ولأن المكلا وسيئون أصبحتا تملكان جامعات ومستشفيات ومشاريع وفرصاً اقتصادية. وهذا صحيح جزئياً. لكن الحقيقة الأعمق أن رأس المال لا يحب المغامرة السياسية. التاجر يمكن أن يتحمل الضرائب، والمنافسة، وارتفاع كلفة النقل، وحتى خسارة صفقة.

لكنه لا يستطيع أن يبني مستقبله في مكان لا يعرف فيه غداً: هل ستظل ملكيته ملكيته؟ ولهذا فإن أخطر ما حدث لعدن لم يكن فقط هدم مصنع أو الاستيلاء على أرض.

الأخطر كان قتل الثقة. وحين يموت رأس المال لا يموت المال وحده؛ تموت معه فرص العمل، ويتراجع الاستثمار، ويهاجر الخبراء، وتتحول العمارات من أصول منتجة إلى أبنية متآكلة، وتصبح المدينة التي كانت تستقطب المستثمرين مدينة يخشى المستثمر أن يضع فيها حجراً واحداً.

لقد تحولت قضية الأرض في عدن إلى أحد أكثر ملفات ما بعد 1994 تعقيداً، ووثقت دراسات وتقارير متعددة صوراً من الاستيلاء على أراضٍ عامة وخاصة وتوزيعها على نافذين، الأمر الذي عمّق شعور الجنوبيين بالغبن والإقصاء.

ولم يكن الحضارم بعيدين عن هذه الموجة. فكثير من الأسر التي فقدت ممتلكاتها بالتأميم لم تجد طريقاً سهلاً لاستردادها، وبعض من استعادوا جزءاً من حقوقهم واجهوا لاحقاً مشكلات أخرى تتعلق بالأراضي أو الملكية أو الوثائق.

عدن لا تحتاج إلى الحنين... تحتاج إلى دولة قد يبدو هذا المقال وكأنه دعوة إلى إعادة عقارب الساعة إلى الوراء.

ليس الأمر كذلك. لا أحد يستطيع أن يعيد عدن إلى خمسينيات القرن الماضي، ولا ينبغي له ذلك. لكن يمكن لعدن أن تستعيد شيئاً كان أهم من عمارات الخمسينيات والستينيات: منظومة الثقة.

الثقة في سند الملكية. الثقة في المحكمة. الثقة في السجل العقاري. الثقة في عقد الإيجار. الثقة في المستثمر. الثقة في الموظف. الثقة في أن الشرطي يحمي القانون ولا يحل محله.

والحضارم، في تجربتهم التجارية الطويلة، أدركوا هذه الحقيقة قبل أن تصبح مصطلحاً في كتب الاقتصاد الحديث. رأس المال التجاري يقوم على السمعة والثقة والالتزام بالعقد. والدراسة الحديثة لشبكات التجارة الحضرمية في المحيط الهندي تبين أهمية العلاقات والثقة والشبكات العائلية والمهنية في بناء التجارة العابرة للحدود. (ولهذا فإن الحديث عن "حب الحضارم للنظام والقانون" لا ينبغي أن يتحول إلى مديح مناطقي فارغ، بل إلى قراءة في ثقافة اقتصادية واجتماعية تشكلت عبر قرون من التجارة والهجرة.

الحضرمي الذي كان يرسل ماله إلى بلد بعيد كان يحتاج إلى الثقة. والذي يشتري بيتاً في عدن كان يحتاج إلى سند. والذي يبني عمارة كان يحتاج إلى قانون. والذي يرسل ابنه إلى الجامعة كان يحتاج إلى مؤسسة. والذي يدخل شراكة كان يحتاج إلى عقد. هذه هي البيئة التي ينمو فيها الاقتصاد.

أما البلطجة، فحتى لو تمكنت من انتزاع أرض في ساعة، فإنها لا تستطيع بناء اقتصاد في نصف قرن.

العمارة التي تنتظر العدالة

تمشي اليوم في بعض أحياء عدن، فترى عمارة قديمة شامخة وسط الإهمال، وربما لا يعرف الساكن فيها اسم الرجل الذي دفع من ماله لبنائها.

قد يكون ذلك الرجل قد جاء من حضرموت بعد سنوات طويلة في زنجبار أو إندونيسيا. قد يكون قضى شبابه في الغربة، وجمع المال قرشاً فوق قرش، ثم عاد إلى عدن وهو يظن أنه عاد إلى وطنه. بنى عمارة. دخلها المستأجرون. عاشت فيها أسر. كبر فيها أطفال. ثم تغيرت الدولة. ثم فجأة تغير القانون. وتم النهب وتغيرت الملكية. لكن العمارة بقيت.

وهي اليوم تشهد على مرحلة كان فيها رأس المال الخاص شريكاً في صناعة المدينة، قبل أن يصبح في نظر السلطة شيئاً ينبغي مصادرته، ثم يصبح في مرحلة أخرى شيئاً يمكن أن تستولي عليه شبكات النفوذ.

إن العمارة أحياناً أصدق من كتب التاريخ. فهي تقول لنا إن الذي بناها كان يؤمن بأن عدن تستحق أن تستثمر فيها الثروة.

وتقول لنا أيضاً إن المدينة التي تحمي الملكية تجذب المال، والمدينة التي تهين الملكية تطرد المال. ليس المطلوب امتيازاً للحضارم. ومن الخطأ أن تكون المطالبة برد حقوق الحضارم على حساب غيرهم.

العدالة لا تعمل بهذه الطريقة. المطلوب هو معالجة عادلة وشاملة لكل المظالم العقارية، أياً كان صاحبها: حضرمياً كان أو عدنياً أو لحجياً أو أبينياً أو شبوانياً أو من أي منطقة أخرى.

لكن من حق الحضارم أن يقولوا إن لهم نصيباً كبيراً من الخسارة، لأنهم كانوا من الفئات الأكثر حضوراً في التجارة والعقار والاستثمار. ومن حقهم أن يسألوا: أين ذهبت العمارات التي بناها آباؤنا؟ أين ذهبت الشركات والمصانع؟ أين هي الوثائق؟ أين هي لجان التعويض؟ أين انتهت الملفات؟

ومن يتحمل مسؤولية عقود من التأخير؟ هذه ليست أسئلة ثأرية. هذه أسئلة دولة. والدولة التي تريد أن تبني المستقبل لا تخاف من فتح ملفات الماضي؛ لأنها تعرف أن العدالة لا تعني الانتقام، وإنما تعني وضع حد للفوضى.


وعدن اليم لا تُبعث بالخطابات. لا لن تعود عدن إلى دورها التجاري القديم بالقصائد ولا بالمهرجانات ولا بالحنين إلى صور المعلا في الخمسينيات. لن تعود أيضاً بإقامة مؤتمرات عن الاستثمار بينما المستثمر يخشى أن يتحول سند ملكيته إلى ورقة بلا قيمة.

الطريق واضح، وإن كان شاقاً: إعادة الاعتبار للقانون. تنظيف السجل العقاري. مراجعة ملفات التأميم بآلية قضائية مستقلة. حصر الممتلكات المتنازع عليها. إعادة ما يمكن إعادته إلى أصحابه. وتعويض من يستحيل إعادة ملكيته إليه تعويضاً عادلاً. ثم حماية الملكية الخاصة حماية لا يستطيع مسؤول ولا قائد عسكري ولا نافذ أن يتجاوزها.

وهذه ليست مطالب حضرمية. إنها شروط نهوض عدن. فالتجربة التاريخية تقول إن المدينة ازدهرت عندما كانت التجارة آمنة، والملكية محترمة، والميناء مفتوحاً، والقانون حاضراً.

وتراجعت حين أصبح القرار الاقتصادي تابعاً للقرار السياسي، ثم حين تحولت الأرض إلى غنيمة. ولهذا فإن معركة عدن الحقيقية ليست بين حضرمي وعدني، ولا بين شمالي وجنوبي، ولا بين قديم وجديد.

المعركة الحقيقية هي بين الدولة واللادولة. بين القانون والغلبة. بين العقد والسلاح. بين الاستثمار والفيد. وبين مدينة تريد أن تعود إلى العالم، ومدينة يريدها المتنفذون غنيمة مغلقة على أهلها. لقد بنى الحضارم جزءاً من عدن حين كان البناء ممكناً. وبنى آخرون جزءاً آخر.

والمدينة في النهاية ملك لكل من أحبها وعمل فيها وساهم في عمرانها. لكنها لن تستعيد عافيتها إلا عندما يصبح القانون فوق الجميع. عندها فقط يمكن أن تعود العمارات إلى وظيفتها الطبيعية: شاهدة على الاستثمار، لا شاهدة على المصادرة.

وعندها فقط يمكن للتاجر الحضرمي الذي هاجر أبوه إلى إفريقيا أو آسيا، ولأبنائه وأحفاده، أن ينظروا إلى عدن لا باعتبارها مدينة فقدوا فيها أموالاً وذكريات، بل باعتبارها مدينة يمكن أن يضعوا فيها أموالاً جديدة وهم مطمئنون.

فالمدينة لا تنهض بالحجارة وحدها. المدينة تنهض حين يطمئن الإنسان إلى أن ما يبنيه بيده لن يصبح غداً ملكاً لمن يملك القوة. وهذه، في جوهرها، ليست قضية الحضارم وحدهم.

إنها قضية عدن.