تقدم التجربتان السياسية والدستورية في أرض الصومال والصومال الفيدرالي نموذجًا مهمًا لدراسة العلاقة بين القبيلة والدولة والسلطة التقليدية وبناء المؤسسات السياسية في مجتمع تتداخل فيه الروابط العشائرية مع البنية الاجتماعية والسياسية.
وعلى الرغم من تشابه الخلفية التاريخية والثقافية بين شعوب دول القرن الافريقي، فإن مسار بناء الدولة بعد انهيار انظمتها اتخذت اتجاهات مختلفة؛ فقد اتجهت أرض الصومال إلى محاولة مأسسة السلطة التقليدية واحتواء العامل القبلي داخل مؤسسات الدولة، بينما اتجهت جمهورية الصومال الفيدرالية إلى استيعاب التوازنات العشائرية ضمن ترتيبات تقاسم السلطة، وصولًا إلى نظام 4.5 الذي أصبح إحدى أهم الآليات العملية لتوزيع التمثيل السياسي.
ولفهم هذا الاختلاف لا بد من العودة إلى الجذور الدستورية والتاريخية التي سبقت مرحلة ما بعد 1991. فقد وضع دستور الصومال لعام 1960 الأساس القانوني للدولة المستقلة على قاعدة المواطنة والمؤسسات الحديثة، ولم يجعل القبيلة وحدة دستورية مستقلة لتوزيع السلطة. ومع ذلك، ظلت البنية العشائرية حاضرة في المجتمع وفي الحياة السياسية بصورة غير رسمية. ولذلك يمكن النظر إلى تجربة 1960 بوصفها محاولة مبكرة لبناء دولة تتجاوز البنية القبلية قانونيًا، مع بقاء تأثيرها الاجتماعي والسياسي قائمًا في الواقع.
وبعد انهيار الدولة المركزية، سلكت أرض الصومال مسارًا مختلفًا. فقد شكل مؤتمر بوراما عام 1993 محطة أساسية في بناء النظام السياسي الجديد، حيث جرى الجمع بين المؤسسات الحديثة وآليات المصالحة التقليدية. ولم يكن شيوخ القبائل مجرد ممثلين لمكونات اجتماعية محدودة، بل لعبوا دورًا في إدارة الحوار والتوفيق بين الأطراف وصياغة التوافقات السياسية. ومن هنا نشأت فكرة جوهرية في التجربة الصوماليلاندية تتمثل في عدم إلغاء السلطة التقليدية، وإنما إعادة توظيفها لخدمة بناء الدولة.
وجاء دستور أرض الصومال لعام 1997 ليواصل هذا المسار، من خلال الجمع بين المؤسسات الحديثة والموروث السياسي والاجتماعي التقليدي. فقد أصبح للأعيان وشيوخ القبائل دور في عملية المصالحة والتوافق، الأمر الذي مهّد لاحقًا لتكريس مجلس الأعيان باعتباره مؤسسة دستورية. وبذلك بدأت السلطة التقليدية تنتقل تدريجيًا من المجال الاجتماعي غير الرسمي إلى مجال مؤسسي أكثر وضوحًا، دون أن تتحول القبيلة نفسها إلى وحدة دستورية لتوزيع المناصب والمقاعد.
وتبلور هذا الاتجاه بصورة أوضح في دستور أرض الصومال لعام 2001. فقد أكد الدستور مبدأ المساواة أمام القانون وحظر التمييز على أساس العشيرة، كما حظر تأسيس الأحزاب السياسية على أساس عشائري أو مناطقي. ويكشف ذلك عن فلسفة دستورية واضحة تسعى إلى الفصل بين الانتماء الاجتماعي والحق السياسي؛ فالقبيلة موجودة باعتبارها حقيقة اجتماعية، ولكنها لا ينبغي أن تكون أساسًا للمواطنة أو التمييز أو التنظيم الحزبي أو تخصيص المقاعد السياسية.
وفي الوقت نفسه، لم يتعامل دستور 2001 مع السلطة التقليدية باعتبارها ظاهرة ينبغي إلغاؤها. فقد حافظ على مجلس الأعيان (Guurti) بوصفه مؤسسة دستورية ضمن السلطة التشريعية، ومنحه اختصاصات مرتبطة بالدين والتقاليد والثقافة والأمن. وهنا تظهر خصوصية النموذج الصوماليلاندي؛ إذ إن الدستور يحاول منع القبلية السياسية، لكنه لا يلغي السلطة التقليدية، بل يعيد تنظيمها داخل مؤسسات الدولة. ولذلك يمكن وصف هذا المسار بأنه مأسسة للسلطة التقليدية مع الحد من دسترة القبيلة بوصفها وحدة لتوزيع السلطة.
أما في جمهورية الصومال الفيدرالية، فقد اتخذ مسار بناء الدولة بعد الحرب الأهلية اتجاهًا مختلفًا. فقد فرضت طبيعة الصراع والحاجة إلى تحقيق توازن بين المكونات الاجتماعية البحث عن صيغة تمنع احتكار السلطة من قبل جماعة واحدة. ومن هنا تطورت ترتيبات تقاسم السلطة التي عُرفت لاحقًا بصيغة 4.5، والتي تقوم على منح العائلات العشائرية الأربع الكبرى حصصًا متساوية، في حين تحصل المجموعات الأقل عددًا، المصنفة ضمن الأقليات، مجتمعة على نصف حصة إحدى المجموعات الكبرى.
ومن المهم هنا التأكيد على أن صيغة 4.5 ليست نصًا دستوريًا صريحًا في دستور الصومال المؤقت لعام 2012، وإنما أصبحت آلية سياسية عملية لتقاسم السلطة والتمثيل. غير أن استمرارها في تشكيل المؤسسات السياسية جعلها عنصرًا مؤثرًا في بنية النظام السياسي الفيدرالي. وبذلك أصبحت القبيلة، في الممارسة السياسية، جزءًا من عملية هندسة السلطة، لا مجرد عامل اجتماعي خارج مؤسسات الدولة.
ويختلف هذا المسار بصورة جوهرية عن أرض الصومال. ففي النظام الفيدرالي الصومالي، ترتبط عملية الوصول إلى السلطة بصورة وثيقة بالتوازنات العشائرية، بحيث يصبح السؤال المتعلق بـ«من يمثل من؟» مرتبطًا بدرجة كبيرة بالانتماء العشائري والحصة المخصصة للمكون الاجتماعي. أما في أرض الصومال، فلا توجد حصة دستورية ثابتة لقبيلة معينة في البرلمان أو الحكومة، ولا يستطيع المرشح أن يضمن مقعده لمجرد انتمائه إلى قبيلة ذات وزن اجتماعي.
وهذا يعني أن المرشح في أرض الصومال قد يكون من قبيلة معينة، لكن أفراد قبيلته ليسوا ملزمين دستوريًا أو قانونيًا بالتصويت له، كما أن القبيلة لا تمتلك حصة مسبقة من المقاعد يمكن أن تنتقل إلى المرشح بمجرد انتمائه إليها. فالفوز الانتخابي يرتبط بالأصوات التي يحصل عليها المرشح أو الحزب ضمن النظام الانتخابي، وأصبحت الروابط العشائرية لا تؤثر عمليًا في السلوك الانتخابي والتحالفات السياسية.
وفي هذا الجانب تحديدًا تبدو التجربة الصوماليلاندية، من الناحية القانونية، تتجه إلى نموذج المنافسة على السلطة بدل نموذج تقاسم السلطة على أساس الهوية الجماعية. وظلت القبيلة حاضرة في البنية الاجتماعية كمكون اصيل وعامل مساعد في التفاعلات السياسية والأمنية والعسكرية، لتحافظ على منجزات شعب ارض الصومال. وهنا تظهر مفارقة مهمة في النموذج الصوماليلاندي: الدستور يحظر الحزبية القائمة على القبيلة، لكنه لا يلغي المجتمع القبلي؛ ويستبعد الحصة القبلية من عملية توزيع السلطة، لكنه يحتفظ بالسلطة التقليدية داخل مجلس الأعيان. وهذا يعني أن النظام لا يقوم على مواجهة مباشرة مع البنية الاجتماعية التقليدية، وإنما على إعادة ترتيب العلاقة بينها وبين الدولة؛ فالقبيلة تظل موجودة، لكن الدولة تحاول منعها من التحول إلى وحدات سياسية رسمية متنافسة على أساس حصص ثابتة.
وفي المقابل، يمكن النظر إلى نظام 4.5 في الصومال الفيدرالي باعتباره محاولة براغماتية لإدارة الانقسام المجتمعي من خلال الاعتراف بالتوازنات العشائرية في توزيع السلطة. وهذه الصيغة قد توفر قدرًا من الضمان السياسي للمكونات المختلفة وتحد من مخاطر الإقصاء، لكنها تحمل في الوقت ذاته إشكالية تتمثل في احتمال تكريس الانتماء العشائري بوصفه معيارًا مستمرًا للحصول على السلطة، بدل الانتقال تدريجيًا إلى معيار المواطنة والبرنامج السياسي والكفاءة الانتخابية.
ومن هذه الزاوية، يمكن القول إن التجربتين تمثلان استراتيجيتين مختلفتين لإدارة القبيلة. فالصومال الفيدرالي يميل إلى إدارة التنوع من خلال تقاسم السلطة، بينما تميل أرض الصومال إلى إدارة التنوع من خلال احتواء السلطة التقليدية وتشجيع المنافسة السياسية العابرة للقبائل. الأول ينطلق من الاعتراف بالتوازنات الاجتماعية بوصفها عنصرًا ضروريًا للاستقرار السياسي، والثاني يسعى إلى تحويل هذه التوازنات تدريجيًا إلى إطار مؤسسي أكثر ارتباطًا بالمواطنة والانتخاب.
وتزداد أهمية هذا الاختلاف عند النظر إلى مجلس الأعيان في أرض الصومال. فالمؤسسة تمثل محاولة لإيجاد حل وسط بين نموذج الدولة الحديثة والمجتمع التقليدي؛ إذ لا يتم استبعاد شيوخ القبائل من المجال العام، ولكن يجري إدخالهم في مؤسسة وطنية لها اختصاصات محددة. وبالتالي، فإن التجربة الصوماليلاندية لا تقوم على إلغاء التقليد لصالح الحداثة، وإنما على محاولة الجمع بينهما ضمن بنية دستورية واحدة.
وبالمقابل، لا يمكن اختزال التجربة الفيدرالية الصومالية في كونها «دولة قبلية»، لأن الدستور نفسه يقوم على مؤسسات الدولة الحديثة، وعلى المواطنة والمساواة والفيدرالية وتقاسم الاختصاصات. إلا أن خصوصية التجربة تكمن في أن الواقع العشائري أصبح جزءًا مؤثرًا من آليات إنتاج السلطة السياسية. ومن ثم فإن الفرق ليس بين دولة حديثة ودولة قبلية، وإنما بين دولتين حديثتين تتعاملان مع البنية القبلية بطريقتين مختلفتين.
وعلى المستوى النظري، يمكن التعبير عن الفرق بين النموذجين من خلال معادلتين. ففي الصومال الفيدرالي يمكن توصيف المسار على النحو الآتي: الواقع القبلي → التوازن العشائري → تقاسم السلطة → المؤسسات السياسية. أما في أرض الصومال فيمكن توصيفه على النحو الآتي: الواقع القبلي → السلطة التقليدية والمصالحة → المأسسة → المنافسة الانتخابية → المؤسسات السياسية.
ففي النموذج الفيدرالي الصومالي يمكن الحديث عن (تقاسم السلطة وفق التوازنات العشائرية»، في حين يمكن وصف نموذج أرض الصومال بأنه ) منافسة انتخابية مع استمرار التأثير الاجتماعي والسياسي للقبيلة». والفرق بين النموذجين ليس في حضور القبيلة أو غيابها، وإنما في انتقالها من حصة رسمية في معادلة السلطة إلى عامل اجتماعي غير رسمي يؤثر في المنافسة على السلطة.
ومن ثم، فإن التجربة الصوماليلاندية تقدم حالة مهمة في دراسة بناء الدولة؛ لأنها تحاول الجمع بين ثلاثة عناصر تبدو للوهلة الأولى متعارضة: المواطنة المتساوية، والانتخابات الحديثة، والسلطة التقليدية. أما التجربة الفيدرالية الصومالية فتقدم نموذجًا مختلفًا يقوم على محاولة تحقيق الاستقرار والتوازن السياسي من خلال استيعاب البنية العشائرية في ترتيبات تقاسم السلطة.
وفي المحصلة، يمكن صياغة الفارق المركزي بين التجربتين في عبارة واحدة: الصومال الفيدرالي حاول إدارة القبيلة من خلال تقاسم السلطة، بينما حاولت أرض الصومال إدارة القبيلة من خلال مأسسة السلطة التقليدية ومنع تحويل الانتماء القبلي إلى حصة دستورية في السلطة. ومن هنا تأتي أهمية التجربتين بوصفهما نموذجين مختلفين في العلاقة بين الدستورية، والقبيلة، والمواطنة، وبناء الدولة في المجتمعات الخارجة من الصراع.
يمكن للجنوب العربي أن يستفيد من التجربتين الدستورية والسياسية في أرض الصومال والصومال الفيدرالي من خلال تبني مقاربة توازن بين الاعتراف بالقبيلة باعتبارها مكوّنًا اجتماعيًا أصيلًا، وبين منع تحويلها إلى أساس دستوري لتوزيع السلطة. فالتجربة الصومالية الفيدرالية، ولا سيما نظام تقاسم السلطة المعروف بصيغة 4.5، تكشف أن منح المكونات العشائرية حصصًا سياسية ثابتة قد يوفر في مراحل ما بعد الصراع ضمانات للتمثيل ومنع الإقصاء، لكنه قد يؤدي على المدى البعيد إلى تكريس الانتماء القبلي بوصفه معيارًا للتمثيل السياسي وإضعاف مفهوم المواطنة. وفي المقابل، تقدم تجربة أرض الصومال نموذجًا أكثر قابلية للاستفادة من حيث الجمع بين حظر التمييز والحزبية القائمة على العشيرة، وبين الاعتراف بدور السلطة التقليدية وإدماجها في مؤسسات الدولة من خلال مجلس الأعيان والمصالحة المجتمعية.
ومن ثم، فإن النموذج الأنسب للجنوب العربي لا يتمثل في استنساخ أي من التجربتين، وإنما في بناء صيغة وطنية تقوم على المواطنة المتساوية، والانتخاب الحر، والتمثيل الجغرافي العادل لمحافظات الجنوب، وضمان حقوق المكونات، مع مأسسة دور الأعيان والقيادات الاجتماعية في المصالحة وحل النزاعات دون منح القبائل حصصًا ثابتة في السلطة؛ وبذلك تنتقل القبيلة من كونها أداة لتوزيع المناصب إلى كونها شريكًا اجتماعيًا في حماية السلم الأهلي، بينما تصبح المواطنة والانتخاب والكفاءة هي الأساس القانوني للشرعية السياسية.