آخر تحديث :الخميس - 01 أكتوبر 2026 - 05:10 م

كتابات واقلام


السعودية بين المديح والنصيحة

الخميس - 01 أكتوبر 2026 - الساعة 04:29 م

صالح حقروص
بقلم: صالح حقروص - ارشيف الكاتب


أهم نصيحة يمكن أن تُقدَّم للسعودية اليوم ليست في كيفية إدارة الأزمات بعد وقوعها، بل في كيفية الاستماع إلى التحذيرات قبل وقوعها.

فالدول لا تتعثر دائمًا بسبب نقص المعلومات، وإنما قد تتعثر حين تصبح الأصوات التي تقول الحقيقة أقل حضورًا من الأصوات التي تكتفي بالمديح. وعندما يتحول النقد إلى تهمة، ويُنظر إلى المخالف باعتباره خصمًا، تصبح عملية اكتشاف الأخطاء وتصحيحها أكثر صعوبة.

المديح سهل، لأنه لا يضع صاحبه في مواجهة أحد، أما النصيحة الصادقة فتحتاج إلى شجاعة من الطرفين: شجاعة من يقولها، وشجاعة أكبر ممن يسمعها.

ولهذا، فإن الدولة التي تريد حماية قراراتها من الأخطاء لا ينبغي أن تبحث فقط عمن يؤيدها، بل عمن يستطيع أن يقول لها: هذا القرار قد يكون خاطئًا، وهذه السياسة تحمل مخاطر، وهذا الطريق قد يقود إلى نتيجة غير محسوبة.

ليس المطلوب أن تقبل السعودية كل نقد يُوجَّه إليها، فالنقد نفسه قد يكون مخطئًا أو مبالغًا فيه أو قائمًا على معلومات ناقصة. لكن المطلوب هو أن يُناقش النقد بدل أن يُرفض تلقائيًا، وأن تُفحص التحذيرات بدل أن تُفسَّر دوافع أصحابها قبل مناقشة مضمونها.

فالقول إن المنتقد «حاقد» لا يجيب عن السؤال الأهم: هل ما قاله صحيح أم خاطئ؟

وهنا تكمن أهمية المؤسسات القوية؛ إذ لا ينبغي أن تتوقف سلامة القرار على وصول رأي مريح إلى المسؤول، بل يجب أن توجد قنوات تسمح بوصول الرأي المخالف أيضًا، وأن يُختبر بالوقائع والأرقام والمعلومات.

إن الاستماع إلى المخالف ليس ضعفًا، ومراجعة القرار ليست هزيمة، والاعتراف بالخطأ ليس انتقاصًا من هيبة الدولة. على العكس، القدرة على مراجعة المسار قبل أن يتحول الخطأ إلى أزمة هي إحدى صور القوة السياسية والإدارية.

والسعودية، بما لها من ثقل إقليمي ودولي، تحتاج أكثر من غيرها إلى بيئة قرار تسمح بسماع الأصوات المختلفة، لأن كلفة الخطأ في الدول المؤثرة لا تتوقف عند حدودها.

القوة الحقيقية ليست في أن لا تسمع إلا من يوافقك، بل في أن تسمع من يخالفك ثم تملك الشجاعة لتراجع نفسك.

لذلك، فإن النصيحة الأهم هي ببساطة:

لا تجعلوا المديح أقرب إليكم من النصيحة، ولا تعتبروا النقد حقدًا. استمعوا إلى التحذير قبل أن يتحول إلى أزمة، وراجعوا القرار قبل أن يفرض الواقع مراجعته عليكم.

فقد يأتي الاعتراف بالخطأ متأخرًا، بينما كانت فرصة تصحيحه متاحة منذ البداية.

والدولة التي تستمع للحقيقة وهي ما تزال نصيحة، تختصر على نفسها كثيرًا من الأزمات التي لا يمكن علاجها حين تصبح واقعًا.