وجدت كثيراً من الناس يذمون الصيف، ومع قدومه يتذمرون من هجوم أجوائه (المشتعلة) وكيف أنهم سيقضون ساعات أيامهم الوهاجة في (تنوره) المتوقد، أليس الصيف كحد السيف؟ أليس الصيف ناراً وشراراً يتطاير منها على كل شيء يصيبه فيصهره؟! كأني بهم يقولون هكذا، لأنهم كما أرى لا يحسنون كيفية الاستفادة منه واستغلاله فيما يفيدهم وينفعهم وينفع مجتمعاتهم.
لا جرم أن فصل الصيف لاهب في بقاع بعينها من الأرض، ومعتدل ليس بحارق في بقاع أخرى، وفي الحالتين فإن ارتفاع حرارة شمسه تؤثر في نفسيات وطباع بل وسلوكات الكثيرين في كل مكان من البسيطة، فيطفقون وبأشكال متعددة يعبِّرون عن تأففهم من أوارها المستعر ويشتكون من وقيدها، وخاصة في احتداد الهواجر واشتداد الأقياظ، وينتظرون نهاية (الجحيم) - وهم بالمناسبة يجمعون على وصف الصيف بهذه الكلمة - نهايةً تنقذهم من احتدامه واضطرامه؛ ينتهي هذا الأمر عند أحمد زكي أبي شادي وقد ودع الصيف أهله (المعذَّبين) ورحل دون أسف على رحيله، ولم يترك فيهم شوقاً إلى عودته من جديد، يقول بعدما خرجوا منه سالمين :
قد خرجنا من الجحيم معافين
فمن ذا يشتاقُ عهدَ الجحيمِ؟!
لعل الشعراء هم أكثر الناس وأعمقهم وأبلغهم تعبيراً عن المعاناة، ولذلك فالمبالغة هنا لا تغير من الواقع شيئاً، وإنما هي شطحات يهوِّلون بها أمراً طبيعياً غير ذي بال لدى آخرين، بل على العكس فإن هؤلاء الآخرين يرون في الصيف مجالاً رحيباً للهمة والانتعاش والانطلاق بحيوية ونشاط في ميادين الحياة عاملين ومنتجين أو جائلين وسائحين، يكتسبون في ظل أيامه فوائد ومنافع جمة، فهو فصل نضج يجنون فيه من الثمرات الطيبات ما لم يكن باستطاعتهم قطفه وجنايته إلا في الصيف؛ فهذا أبو الفضل الوليد يأسى على الصيف الراحل سريعاً ففيه عنفوان وفيه مثابرة :
أبكي على الصيف كالباكي على الطللِ
وإنه كالصِّبا يمضي على عجلِ
جاء الشتاءُ فأذوى بردُه حبقاً
قد كان في الصيف ذا نضرٍ وذا مِيَلِ
إذا فهو يرى النضارة والرواء فيما يتفتق عن رونق صافٍ في أجواء الصيف، وليس في الشتاء الذي أذوى برده الحبق وأودى برائحته العطرة؛ ولا أقارن هنا بين فصلين مختلفين في المظهر والجوهر، أو قل في الملامح والسمات لكل منهما طبيعته الخاصة، هذا هواؤه قارّ وذاك طبعه حارّ، وإنما التحفيز هنا على تقبل الصيف كما هو بحرِّه وجمره، واستغلال ساعاته وأيامه في الإنجاز .
وفيما يتعلق بالكتابة في صيوف حيوات الأدباء فإن المسألة متفاوتة وتختلف من أديب إلى آخر حسب التعود والمزاج، فإذا كان نجيب محفوظ - مثلاً - وهو رائد الرواية العربية وأديب نوبل يقول:"أنا لم أكتب ولم أقرأ فى حياتي فى أشهر الصيف" فإن يوسف إدريس يقول: "أنا أستمتع بليالي الصيف وأتوق للكتابة فيها بعد يوم لافح الحرارة، فالذهن يتحرر من القيود المفروضة عليه طول النهار، وكتبت مسرحية ( الفرافير ) فى صيف حار، وكذلك قصة ( الحرام ) ومعظم إنتاجي الإبداعي كتبته فى ليالي الصيف" ؛ وهذا ما يؤكد عليه الكاتب المسرحي نعمان عاشور، الذي يصف ليالي الصيف بإنها "من أصلح الفترات لكتابة أعمالي الفنية التى أكتبها فى فترة الإجازات السنوية، وكل إنتاجي من المسرحيات كتبته فى الصيف". وعلى هذا فإن الصيف يتجاوز كونه فترة للراحة والاستجمام ليصبح ميداناً للإنجاز واكتساب الجداوي والوصول إلى الشعور بالسعادة والرضا .
فلا ينتظرنَّ أحد انقضاء الصيف حتى تستفيق همته وتنهض عزيمته، لأنه بهذا المنطق لن يحقق أشياء كثيرة وسوف تفوته أكثر منها وهو خامل خامد، في وقت كان الأجدر به لو جدَّ واجتهد في مساعيه نحو غاياته وكل ما فيه خيره وصلاحه والمصلحة العامة لمجتمعه وبلده، حتى لا يأتي يوم يندم فيه على التفريط بأيام الصيف .. أيام من حياته رطيبة كان من الممكن أن يصرفها في الدأب والمواظبة، وأن يستغلها وينفقها فيما ينفع ويحقق له ما يريد، وحتى لا يقف موقفاً يعض عنده على أصابع الندم .