وزع مدير عام مكتب الأوقاف والإرشاد بمحافظة شبوة محسن بن محمد بن حسين تعميما خطيرا إلى مدراء إدارات الأوقاف في المديريات وخطباء المساجد.
وتبين من خلال التعميم الذي يتزامن مع استعدادات البلاد والدول العربية والإسلامية للاحتفال بالمولد النبوي الشريف حذر فيه من إقامة الاحتفال بالمولد النبوي الشريف وقال : "لا يجوز إقامة هذه البدعة ولا حضورها ولا الدعوة إليها ولا تشجيعها ولا أكل ما يكون فيها من ولائم وغير ذلك".
وتعليقا على ذلك بعث مواطنون في شبوة خطابا الى وزير الأوقاف والإرشاد جاء فيه :
بسم الله الرحمن الرحيم
معالي وزير الأوقاف والإرشاد المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
الموضوع: بشأن خطورة استخدام سلطة الدولة لحسم الخلافات الفقهية
معالي الوزير،
أكتب إليكم من باب الحرص على مكانة وزارة الأوقاف والإرشاد، وعلى دورها في جمع كلمة المسلمين، وترسيخ الوسطية، وحماية السلم الاجتماعي، بعيدًا عن تحويل المسائل الفقهية المختلف فيها إلى صراعات سياسية أو اجتماعية.
ومن المسائل التي يكثر حولها النقاش في هذه الأيام مسألة المولد النبوي، وهي من المسائل التي وقع فيها خلاف بين أهل العلم قديمًا وحديثًا؛ فمن العلماء من قال بعدم مشروعيته، ومنهم من أجازه بضوابط، مستندين إلى ما يشتمل عليه من قراءة السيرة النبوية، والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ، وذكر شمائله وأخلاقه، وإطعام الطعام، ونحو ذلك من الأعمال المشروعة في أصلها.
وليس المقصود من هذه الرسالة ترجيح أحد القولين أو الدخول في تفصيل الخلاف الفقهي، وإنما التنبيه إلى أمر أراه أخطر من الخلاف نفسه، وهو استخدام سلطة الدولة وأجهزتها لفرض رأي فقهي واحد في مسألة اجتهادية وقع فيها خلاف معتبر بين أهل العلم.
فالمسائل التي تحتمل الاجتهاد ينبغي أن تبقى في دائرة العلم والدليل والحوار، لا أن تتحول إلى ميدان للقوة والإكراه. ومن يرى عدم مشروعية المولد فله أن يبين رأيه وأدلته، ومن يرى جوازه فله أن يعمل بما اطمأن إليه من أقوال أهل العلم، ما دام ملتزمًا بالشرع ولا يرتكب محرمًا.
إن تدخل الدولة لحسم مثل هذه المسائل لمصلحة قول فقهي معين قد يفتح بابًا واسعًا يصعب إغلاقه؛ إذ إن الخلاف الفقهي لا يقتصر على مسألة المولد، بل توجد مسائل كثيرة اختلف فيها العلماء، فلو أصبح كل فريق يسعى إلى امتلاك السلطة لفرض اجتهاده على المجتمع، لتحولت الاختلافات الفقهية إلى صراعات على النفوذ، وأصبح معيار الغلبة هو قوة السلطة بدل قوة الدليل.
معالي الوزير،
الدولة لها دور عظيم في حفظ الأمن، وصيانة الحقوق، ومنع الاعتداء، وحماية النظام العام، ومنع الممارسات المحرمة أو المخلة بالأمن والمجتمع. لكن ليس من الحكمة أن تتحول أجهزة الدولة إلى وسيلة لترجيح كل خلاف فقهي أو مذهبي بين المسلمين.
وإذا وقعت مخالفات شرعية أو تجاوزات في أي مناسبة، فالأصل أن تُعالج المخالفة نفسها، لا أن يُعامل عموم الناس على أساس خلاف فقهي. فإذا وُجد فعل محرم يُمنع الفعل المحرم، وإذا وقع تجاوز للقانون يُحاسب مرتكبه، أما أصل اجتماع الناس على قراءة السيرة والصلاة على النبي ﷺ وذكر شمائله وإطعام الطعام، فهو محل خلاف فقهي، وليس من الحكمة أن يتحول هذا الخلاف إلى سبب للخصومة بين أبناء المجتمع الواحد.
إن من أعظم مسؤوليات وزارة الأوقاف والإرشاد أن تكون جسرًا بين المسلمين، لا طرفًا في خلافاتهم الاجتهادية، وأن تساعد على تعليم الناس أدب الاختلاف، واحترام العلماء، وعدم تحويل المسائل الفقهية إلى معايير للحكم على إيمان الناس وتقواهم.
كما أن من المهم أن ندرك أن احترام المخالف لا يعني بالضرورة الموافقة على رأيه؛ فقد أختلف مع أخي المسلم في مسألة فقهية، وأرى أن ما أفعله هو الصواب، لكنه يظل أخي في الإسلام، ولا ينبغي أن تتحول المسألة إلى تبديع أو تفسيق أو إقصاء أو خصومة اجتماعية.
لذلك نرجو من معاليكم أن يكون التعامل مع هذه المسائل قائمًا على العلم والحكمة والحوار، لا على الإكراه والقوة، وأن تُترك المسائل الاجتهادية لأهل الاختصاص والعلماء، وأن يكون دور الدولة هو حماية الجميع من الاعتداء والفوضى والتجاوزات، لا فرض اجتهاد فقهي واحد على المجتمع.
ما يُحسم بالدليل لا ينبغي أن يُحسم بالعصا، وما كان من مسائل الاجتهاد لا ينبغي أن يتحول إلى معركة سياسية.
إن المجتمع المتماسك لا يحتاج إلى أن يتفق أفراده في كل المسائل الفقهية، وإنما يحتاج إلى أن يتعلموا كيف يختلفون دون أن يقتتلوا، وكيف يحترم بعضهم بعضًا دون أن يتنازل أحد عن قناعته.
نسأل الله أن يوفقكم لما فيه خير البلاد والعباد، وأن يعينكم على حمل أمانة الأوقاف والإرشاد، وأن يجعل وزارتكم سببًا في جمع الكلمة، ونشر العلم، وتعزيز السكينة، واحترام التنوع الفقهي المعتبر بين المسلمين.
وتفضلوا بقبول خالص الاحترام والتقدير.
والله من وراء القصد، وهو الهادي إلى سواء السبيل".