آخر تحديث :الأربعاء - 19 أغسطس 2026 - 04:22 م

ثقافة - أدب - فن


غالب بافطيم.. حين يصير الميكرفون ذاكرةً للمسرح والرياضة في حضرموت

الأربعاء - 19 أغسطس 2026 - 04:04 م بتوقيت عدن

غالب بافطيم.. حين يصير الميكرفون ذاكرةً للمسرح والرياضة في حضرموت

مسعود عمشوش

قبل أكثر من عشر سنوات، حين كنت أستعيد في كتابي (أيامي في سيؤن وبوردو) بعضًا من ملامح سنوات الدراسة في المدرسة الوسطى بسيؤن، بين عامي 1966 و1969، وجدتني أعود، من حيث لا أقصد، إلى وجوه ذلك الجيل الذي كانت ملامحه أكبر من أعمارنا، وكانت أحلامه تتجاوز أسوار المدرسة إلى فضاءات الثقافة والفن والإعلام.

كتبت يومها: "في الغالب كان زملائي في صفوف المدرسة الوسطى أكبر مني سنًّا، وعمالقة؛ منهم عوض باصحيح وعلي الكاف وفائز بازهير وسعيد بن قحيز ورمضان باجبير وعبد الحافظ باحشوان وعباس مالك بن قبيلة وسعيد القرزي وعلي الروشن وأحمد ومحمد علي الحبشي وغالب بافطيم الذي بدأ مشواره الإعلامي بالتقديم وقراءة قصائد نزار قباني في حفلات مدرسة سيؤن الوسطى).

ولم يكن ذلك الاستحضار مجرد استعادة عابرة لاسم زميل قديم. فغالب محمد بافطيم كان، منذ تلك السنوات المبكرة، يحمل في صوته شيئًا يوحي بأن الميكرفون سيصبح ذات يوم جزءًا من حياته، وأن الوقوف أمام الجمهور لن يكون بالنسبة إليه موقفًا عابرًا، بل مهنة وشغفًا ومسارًا طويلًا في الإعلام والفن والمسرح.

ولعل المفارقة الجميلة في سيرة غالب أن بدايته لم تكن في المجال الذي عُرف به لاحقًا وحده. فقد تشكلت تجربته على تقاطع ثلاثة مسارات: المسرح، والإذاعة، والرياضة، وانضاف إليها في مراحل لاحقة تقديم البرامج والمسابقات الثقافية. وهكذا لم يكن غالب مجرد مذيع رياضي أو معلّق مباريات، كما قد توحي به الصورة التي استقرت في الذاكرة العامة، بل كان واحدًا من أبناء جيل ثقافي وفني أسهموا، كل من موقعه، في صناعة الحياة العامة في حضرموت خلال عقود التحول الكبرى.

ومن هنا تبدو استعادة تجربته اليوم أكثر من مجرد وفاء لشخصية إعلامية وفنية؛ إنها محاولة لرد الاعتبار إلى مرحلة من تاريخ المكلا وحضرموت، حين كان الميكرفون نافذة الناس على العالم، وكانت خشبة المسرح فضاءً لاختبار الأسئلة الاجتماعية والثقافية، وكان نقل مباراة كرة القدم على الهواء حدثًا يرقى إلى مستوى الاحتفال الجماهيري.


غالب من سيؤن إلى المكلا.. الطريق إلى الميكرفون

كان غالب محمد بافطيم من ذلك الجيل الذي انتقل من سيؤن إلى المكلا، حاملاً معه ما اكتسبه في بيئة وادي حضرموت من اهتمام باللغة والأدب والفن والحياة المدرسية. وفي المدرسة الوسطى بسيؤن، لم يكن حضوره مقصورًا على التحصيل الدراسي، بل بدأ يقترب من عالم الأداء والإلقاء والتقديم.

كانت حفلات المدرسة في ذلك الزمن مناسبة ثقافية حقيقية، وكان الميكرفون جزءًا من المشهد المدرسي. وفي تلك الحفلات بدأ غالب يقدم الفقرات ويقرأ قصائد نزار قباني، وهي بداية لها دلالتها؛ فقراءة الشعر أمام جمهور ليست مجرد تمرين على النطق، وإنما اختبار للحضور والثقة والقدرة على تحويل النص المكتوب إلى صوت حي.

ومن هذه المساحة الصغيرة بين الطالب والميكرفون بدأ يتكون ما يمكن تسميته شخصية غالب الإعلامية.

وعندما انتقل إلى المكلا، عمل موظفًا في متحف المكلا الواقع في قصر السلطان. وقد يبدو للوهلة الأولى أن هذه الوظيفة بعيدة عن الإعلام والمسرح والرياضة، لكنها في الحقيقة وضعته في قلب الحياة الثقافية للمدينة. فالمتحف، بما يمثله من ذاكرة تاريخية ومكان رمزي، لم يكن مجرد مكان للعمل الإداري، بل كان فضاءً يلتقي فيه المثقفون والفنانون والمهتمون بالشأن العام.

وفي هذا المناخ بدأ غالب يقترب أكثر من النشاط المسرحي، وتشير المعطيات المتاحة إلى أن حضوره في المسرح يعود إلى منتصف السبعينيات على الأقل.


الميكرفون.. عنوان مبكر لسيرة تدور حول الصوت

من أجمل المفارقات في مسيرة غالب بافطيم أن إحدى بداياته المسرحية الموثقة ارتبطت بمسرحية تحمل اسم (الميكرفون)؛ ففي أغسطس 1975 عُرضت في المركز الثقافي بالمكلا مسرحية (الميكرفون)، من تأليف المؤرخ والأديب محمد عبدالقادر بامطرف وإخراج محمد عوض باصالح، وشارك غالب محمد بافطيم في تمثيلها إلى جانب عدد من الفنانين، من بينهم أنيسة خميس بن جبير وأسماء باوزير.

وليس من قبيل المصادفة الأدبية أن يكون عنوان هذه المسرحية هو (الميكرفون)، وأن يظهر غالب بين ممثليها في مرحلة مبكرة من حياته. فالشيء الذي كان أداة فنية في المسرح سيصبح بعد سنوات أداة عمل يومية في الإذاعة؛ وسيظل الصوت، بأشكاله المختلفة، هو الخيط الذي يصل مراحل تجربته بعضها ببعض.

لقد دخل غالب عالم المسرح قبل أن تستقر صورته في الذاكرة بوصفه مذيعًا ومعلقًا رياضيًا. وهذه الحقيقة مهمة؛ لأنها تعيد ترتيب سيرته على نحو مختلف. فالمسرح لم يكن هامشًا في تجربته، بل كان أحد منابعها الأولى، ومنه اكتسب، على الأرجح، بعض عناصر الحضور أمام الجمهور، والقدرة على التحكم في النبرة والإيقاع، والتعامل مع الموقف الحي غير القابل للإعادة.

وهذه كلها مهارات ستصبح ضرورية عندما ينتقل من خشبة المسرح إلى ميكرفون الإذاعة، ومن النص المحفوظ إلى المباراة التي لا يعرف المعلق مسبقًا ماذا سيحدث في الدقيقة التالية.


من إذاعة المكلا.. غالب ينقل المباراة من الملعب إلى البيوت

إذا كان المسرح قد منح غالب فرصة الوقوف أمام الجمهور، فإن إذاعة المكلا منحته فرصة الوصول إلى جمهور أوسع بكثير، جمهور لا يرى المذيع ولكنه يسمع صوته ويتخيله.

وقد ارتبط اسم غالب بافطيم بصورة خاصة بتاريخ التعليق الرياضي والنقل المباشر للمباريات من ملعب بارادم. وهنا نصل إلى واحدة من أهم المحطات في سيرته، بل في تاريخ الإعلام الرياضي الإذاعي في حضرموت.

كان العمل الأساسي لغالب في إدارة السياحة، موظفًا في متحف المكلا، لكنه كان مفرغًا جزئيًا للمشاركة في أنشطة إذاعة المكلا. ولم يكن حضوره الإذاعي مقصورًا على الرياضة؛ فقد شارك في الحوارات والبرامج والمسابقات الثقافية، قبل أن تتبلور موهبته في التعليق الرياضي.

وتشير الشهادات المتاحة إلى أن عمر باشامي كان من الذين تنبهوا إلى قدرته، وارتبط اسمه بفكرة نقل مباريات كرة القدم مباشرة من ملعب بارادم.

وهنا ينبغي التوقف قليلًا أمام معنى (النقل المباشر) في ذلك الزمن. اليوم، يستطيع المشاهد أن يتابع المباراة من عشرات القنوات والمنصات، وأن يرى الإعادة والإحصاءات والصور البطيئة، وأن ينتقل بين زوايا متعددة للكاميرات. أما في ذلك الزمن، فكان الميكرفون وحده قادرًا على نقل المباراة إلى المستمع. كان المعلق هو عين المستمع، وكان عليه أن يحول ما تراه عيناه إلى صورة لغوية تتشكل في مخيلة من يجلس في بيته أو متجره أو مقهاه.

كان عليه أن يقول للمستمع: أين الكرة؟ من استلمها؟ من مررها؟ من سدد؟ ماذا حدث في الملعب؟ وكان عليه أن يفعل ذلك بسرعة ودقة، وأن يجعل المستمع يرى بعقله ما لا يستطيع رؤيته بعينيه.

ومن هنا كانت تجربة النقل الرياضي المباشر في إذاعة المكلا حدثًا إعلاميًا وتقنيًا وجماهيريًا في آن واحد.


مباراة المكلا وشمسان.. لحظة تأسيسية

تورد إحدى الشهادات أن فكرة نقل المباريات مباشرة من ملعب بارادم إلى إذاعة المكلا نوقشت بين عمر باشامي وزملائه، ثم عُرضت على مدير الإذاعة آنذاك فؤاد بامطرف، ونُفذت التجربة في مباراة جمعت المكلا وشمسان من عدن.

وتشير شهادة عمر باشامي إلى أن المباراة أقيمت في 25 مايو 1981، وأن غالب بافطيم كان أحد الذين حملوا الميكرفون في ذلك النقل، فتولى التعليق خلال معظم الشوط الثاني، بينما شارك زميله في الجزء الأول.

وتوجد، في المقابل، شهادة أخرى منسوبة إلى علي سالم اليزيدي تؤرخ التجربة إلى مايو 1980. وهذه المسألة تستحق مزيدًا من البحث في أرشيف إذاعة المكلا والصحف القديمة، لأن تحديد السنة بدقة ليس تفصيلًا هامشيًا؛ إنه يتعلق بتوثيق لحظة تأسيسية في تاريخ الإعلام الرياضي الحضرمي.

لكن، سواء حُسم التاريخ في 1980 أو 1981، فإن الأهم أن اسم غالب بافطيم يظهر في قلب هذه التجربة المبكرة.

وتذكر شهادة أخرى أن علي سالم اليزيدي ذهب إلى متحف المكلا لإحضار غالب للمشاركة معه ومع عمر باشامي في نقل مباراة المكلا وشمسان. وقد نجحت التجربة، لتصبح المباريات بعد ذلك قابلة للنقل المباشر إلى مستمعين في مناطق واسعة من حضرموت وخارجها.

كان ذلك يعني أن ملعب بارادم لم يعد فضاءً محليًا مغلقًا على جمهوره الموجود في المدرجات. لقد صار، بفضل الإذاعة، ملعبًا يمتد عبر الأثير إلى البيوت والقرى والمدن.

وهنا تحديدًا تتضح قيمة غالب في هذه التجربة. فهو لم يكن مجرد شخص أمسك بالميكرفون في مباراة تاريخية، بل كان واحدًا من الجيل الذي شارك في تحويل الحدث الرياضي من مشهد محلي إلى حدث إعلامي جماهيري.


المعلق الذي يصنع صورة من الصوت

التعليق الرياضي الإذاعي فن شديد الخصوصية. فهو يختلف عن التعليق التلفزيوني؛ لأن المعلق الإذاعي لا يملك الصورة التي يستطيع المعلق التلفزيوني أن يستند إليها. عليه أن يصنع الصورة بالكلمات.

ولذلك فإن نجاح غالب في هذا المجال لا يمكن تفسيره بحبه لكرة القدم وحده. فالمعلق يحتاج إلى سرعة البديهة، وسلامة اللغة، وقوة الحضور، والقدرة على ضبط الانفعال، وإلى حس مسرحي يجعله قادرًا على تغيير نبرته تبعًا لتحولات اللعب.

وهذه العناصر تبدو متصلة بماضي غالب المسرحي. فالرجل الذي وقف على خشبة المسرح في المكلا، وشارك في أعمال تمثيلية، ثم اقترب من الإذاعة، كان ينتقل في الحقيقة بين أشكال مختلفة من الأداء الصوتي. وفي كل مرة كان الجمهور يختلف: جمهور أمامه في المسرح، وجمهور يسمعه عبر الإذاعة، ثم جمهور رياضي يتابع مباراة لا يراها.

ومن هذه الزاوية يمكن النظر إلى تجربة غالب لا باعتبارها انتقالًا من المسرح إلى الإذاعة، بل باعتبارها توسعًا مستمرًا لدائرة الجمهور.

(محاكمة الرجل الذي لم يحارب).. المسرح يعود بقوة

ولم يكن حضور غالب في المسرح عابرًا أو مقتصرًا على تجربة منتصف السبعينيات. ففي نهاية عام 1981 شاركت فرقة مسرح حضرموت في ختام فعاليات عام الثقافة التي أقيمت في عدن بمسرحية (محاكمة الرجل الذي لم يحارب)، للكاتب السوري ممدوح عدوان، وإخراج محمد عوض باصالح.

وكان غالب محمد بافطيم من المشاركين في العمل، وأدى شخصية (أبو الشكر)، وحصل عن دوره على جائزة أفضل ممثل في ذلك المهرجان. وهذه الجائزة تستحق أن تُقرأ في سياقها التاريخي والفني. فهي لا تعني فقط أن غالب كان قادرًا على أداء دور مسرحي بصورة جيدة، وإنما تؤكد أن حضوره الفني كان يتجاوز حدود الإذاعة، وأنه كان يمتلك أدوات تمثيلية لافتة في وقت كانت فيه الحركة المسرحية الحضرمية تبحث عن تثبيت حضورها في المشهد الثقافي الحضرمي. ولعل الأهم أن هذه الجائزة جاءت في السنة نفسها التي ارتبط فيها اسمه بتجربة النقل الرياضي المباشر من ملعب بارادم. أي أننا أمام رجل كان، في سنة واحدة تقريبًا، يتحرك بين فضاءين شديدي الاختلاف ظاهريًا: المسرح والرياضة. لكنه كان يجمعهما بأداة واحدة: القدرة على الأداء أمام الجمهور.


ولم يتوقف نشاط غالب الإذاعي عند التعليق الرياضي. فالمصادر المتاحة تشير إلى أنه واصل المشاركة في البرامج الثقافية وإدارة المسابقات، وهو ما يكشف عن اتساع تجربته الإعلامية. وفي ديسمبر 2005 أدار غالب محمد بافطيم المسابقة الثقافية لأندية ساحل حضرموت التي أقيمت في المكلا، وقدم الأسئلة للفريقين المتنافسين في النهائي، وهما الشبيبة بالديس الشرقية ووحدة المكلا، بينما تولت لجنة أخرى مهمة التحكيم.

وهذه المحطة تضيف بعدًا جديدًا إلى صورته الإعلامية. فالمذيع الذي يستطيع إدارة مباراة كرة قدم بصوت سريع ومتدفق يستطيع أيضًا إدارة مسابقة ثقافية تحتاج إلى الهدوء، وضبط الوقت، والقدرة على صياغة السؤال وتقديمه، والتعامل مع المتنافسين والجمهور. إنها مهارة مختلفة، لكنها تعود في جوهرها إلى الشيء نفسه: الحضور الإذاعي.

وهكذا تتضح صورة غالب أكثر: مذيع، ومعلق رياضي، ومقدم مسابقات، وممثل مسرحي؛ وهي وظائف تبدو متفرقة إذا نظرنا إليها منفردة، لكنها تصبح متماسكة إذا نظرنا إليها من خلال شخصية واحدة جعلت من الصوت وسيلة للتواصل مع الناس.


أكثر من ربع قرن أمام الميكرفون

استمرت علاقة غالب بإذاعة المكلا سنوات طويلة، حتى أصبح من المعتاد وصفه في المصادر اللاحقة بالمذيع المخضرم والمعلق الرياضي المعروف. وفي مباراة جمعت منتخب قدامى لاعبي حضرموت الساحل بمنتخب قدامى لاعبي عدن وأبين في ملعب بارادم في 31 أكتوبر 2014، كانت إذاعة المكلا تنقل المباراة مباشرة، وكان غالب بافطيم هو المعلق الرياضي.

وليس في هذا المشهد ما يبدو استثنائيًا لمن ينظر إليه سريعًا. لكنه، عند التأمل، يلخص مسيرة كاملة. الرجل الذي شارك في تجربة النقل المباشر في بدايات الثمانينيات يعود بعد أكثر من ثلاثة عقود إلى الملعب نفسه تقريبًا، وإلى الميكرفون نفسه، ليعلق على مباراة جديدة.

تغيرت التقنية، وتغيرت وسائل الاتصال، وتبدلت أجيال اللاعبين والمستمعين، لكن الصوت ظل حاضرًا. وهذه واحدة من أجمل صور الاستمرارية في مسيرة غالب.

ويصعب اليوم تخيل الصعوبات التي كان يواجهها الإعلاميون في ذلك الزمن. لم تكن هناك الهواتف الذكية، ولا الإنترنت، ولا البث الفضائي بالشكل الذي نعرفه اليوم، ولا وسائل التواصل الاجتماعي. وكانت عملية نقل مباراة من الملعب إلى المستمعين تحتاج إلى ترتيبات تقنية واتصالات وتجهيزات ليست متاحة بالسهولة نفسها التي نعيشها اليوم. ولهذا فإن تجربة غالب ورفاقه في إذاعة المكلا ينبغي ألا تقاس فقط بعدد المباريات التي علقوا عليها، بل بالظروف التي عملوا فيها.

وكان المعلق يتعلم من الملعب، والمذيع يتعلم من الميكرفون، والممثل يتعلم من الخشبة، والجيل كله يتعلم كيف يصنع إعلامًا محليًا قادرًا على الوصول إلى جمهور واسع بإمكانات محدودة. ومن هنا تأتي قيمة هؤلاء الذين لم يحظوا دائمًا بالفرص التي تتناسب مع خبرتهم.

فغالب، كما يبدو من مسيرته، كان من الكوادر التي امتلكت خبرة طويلة في الإذاعة والتلفزيون والنشاط الثقافي والرياضي، لكنه لم يحصل بالضرورة على المساحة التي كان يمكن أن تتيح له خبرته أن يواصل مسيرة أوسع، خصوصًا في مجال نقل مباريات المنتخبات الوطنية.

وفي السنوات الأخيرة، لم ينقطع حضور اسم غالب بافطيم من الذاكرة الإعلامية في حضرموت. ففي مناسبات مرتبطة بتاريخ إذاعة المكلا، جرى استحضار اسمه ضمن المذيعين والمعلقين الرياضيين المخضرمين الذين أسهموا في بناء التجربة الإذاعية في المحافظة. كما شهد عام 2022 زيارة له من قيادات محلية وإعلامية في منزله، استحضرت جهوده ومسيرته الطويلة في خدمة الإذاعة والإعلام.

وفي عام 2023، خلال الاحتفال بذكرى تأسيس إذاعة المكلا، عاد اسمه إلى الواجهة بوصفه واحدًا من المذيعين المخضرمين والمعلقين الرياضيين المعروفين في حضرموت. وما أجمل أن يستعيد المجتمع أسماء الذين صنعوا تاريخه الإعلامي والثقافي بعد أن أصبحت أعمالهم جزءًا من الذاكرة العامة. فالتاريخ لا تصنعه المؤسسات وحدها؛ تصنعه أيضًا أصوات الأشخاص الذين عملوا داخلها. وإذاعة المكلا ليست فقط مبنى أو أجهزة أو موجات بث. إنها، في جانب كبير منها، أصوات مذيعيها ومعلقيها وبرامجها وذكريات مستمعيها. ومن بين تلك الأصوات يأتي صوت غالب بافطيم.

**

ولعل سيرة غالب بافطيم تفتح أمامنا سؤالًا أوسع: كم من الأسماء التي صنعت تاريخ المسرح والإذاعة في حضرموت ما تزال خارج الكتب والأرشيفات؟ إن جزءًا كبيرًا من تاريخنا الإعلامي والفني لا يزال محفوظًا في ذاكرة الأشخاص، وفي قصاصات الصحف القديمة، وفي شهادات الذين عاشوا تلك المرحلة.

وهذا النوع من التاريخ معرض، للأسف، للضياع. فإذا لم تُجمع شهادات المذيعين والممثلين والمخرجين والرياضيين، وإذا لم تُفهرس التسجيلات الإذاعية، وإذا لم يُبحث في أرشيف الصحف والمراكز الثقافية، فإن كثيرًا من التفاصيل التي تمنح التاريخ معناه الإنساني ستختفي مع رحيل أصحابها. وسيرة غالب مثال واضح على ذلك.

فنحن نعرف بعض المحطات، لكننا لا نعرف كل شيء. نعرف بعض المسرحيات، وبعض المباريات، وبعض المناسبات، لكننا لا نعرف بالقدر الكافي كيف كان يعمل المذيع داخل الاستوديو، وكيف كان المعلق يتعامل مع الملعب، وكيف كان المسرحي يحفظ دوره، وكيف كان الجمهور يتلقى ذلك كله في زمن كانت فيه الإذاعة هي الوسيلة الجماهيرية الأهم.

ولذلك فإن الكتابة عن غالب ليست نهاية البحث، وإنما يمكن أن تكون بداية له.

تلك هي قيمة غالب بافطيم في تقديري: أنه لم يكن مجرد عابر في هذه المسارات، بل كان واحدًا من الذين عبروا بينها جميعًا، وتركوا في كل واحد منها أثرًا. ولذلك فإن إنصافه لا يكون بمجرد إطلاق صفة (المذيع المخضرم) عليه، ولا بوصفه (معلقًا رياضيًا معروفًا) فحسب، وإنما بوضع تجربته في مكانها الطبيعي ضمن تاريخ الإعلام والمسرح والثقافة الرياضية في حضرموت. فثمة أصوات لا تنتهي حين ينتهي البث. وثمة أصوات، مثل صوت غالب بافطيم، تتحول مع الزمن إلى جزء من ذاكرة المكان نفسه. من ذاكرة حضرموت.