يُعد معالي الشريف السيد زين عبداللطيف باهارون (1930 – 1971) واحداً من أبرز رجالات عدن في القرن العشرين، وشخصية جمعت بين الفكر الاقتصادي والعمل السياسي والإصلاح الإداري، فقد كان رجل دولة من الطراز الأول، ورائداً في مجال الأعمال، وصاحب رؤية مبكرة لبناء مؤسسات اقتصادية حديثة تعزز مكانة عدن كمدينة تجارية عالمية.
عرفه العدنيون بهدوئه وحكمته وذكائه الإداري، وكان من الشخصيات التي حملت مشروع النهوض بعدن، حتى أصبح أحد الآباء المؤسسين للدولة العدنية الحديثة، وتولى منصب رئيس وزراء حكومة عدن الوطنية وهو في سن الثالثة والثلاثين، ليكون من أصغر من تقلدوا هذا المنصب.
النشأة والتعليم
ولد الشريف السيد زين عبداللطيف باهارون في مدينة عدن عام 1930، وتلقى تعليمه في مدرسة بازرعة الخيرية وعدد من مدارس عدن، ونشأ في بيئة عدنية عُرفت بالعلم والتجارة والانفتاح الثقافي.
وينتمي إلى أسرة باهارون العريقة، التي كان لها حضور اجتماعي وتجاري بارز في عدن، وقد عُرف منذ شبابه بشغفه بالعلم والإدارة وامتلاكه رؤية متقدمة في بناء الاقتصاد والمؤسسات.
رائد الأعمال ومؤسس شركة باسكو للطيران
لم يكن زين باهارون مجرد رجل سياسة، بل كان من رواد القطاع الخاص العدني، حيث أسس مع إخوته محمد، عيدروس، علوي، حسن وصهرهم السيد إبراهيم المهدي مجموعة "الإخوان التجارية" التي ضمت عدداً من الشركات الرائدة، من بينها شركات الجلود والأغذية.
وكان أبرز إنجازاته الاقتصادية تأسيس شركة الإخوان للخدمات الجوية "باسكو" عام 1962، لتصبح أول شركة طيران خاصة في جزيرة العرب، وثاني أكبر شركة طيران في عدن بعد شركة خطوط عدن الجوية الحكومية.
امتلكت شركة باسكو أسطولاً مكوناً من ثماني طائرات، إلى جانب معدات أرضية وقطع غيار ومكاتب داخل عدن وخارجها، وكانت نموذجاً مبكراً لنجاح القطاع الخاص العدني وقدرته على المنافسة في مجال الطيران والنقل الجوي.
وفي عام 1970 صودرت ممتلكات الشركة وأعيد تغيير اسمها إلى "اليمدا"، قبل أن تؤول أصولها لاحقاً إلى الخطوط الجوية اليمنية بعد أحداث عام 1994.
رجل الدولة ورئيس وزراء حكومة عدن الوطنية
دخل زين باهارون معترك العمل السياسي في مرحلة دقيقة من تاريخ عدن، حيث عُيّن وزيراً للمالية في أول حكومة وطنية لعدن بعد إلغاء نظام مستعمرة عدن، وذلك في يناير 1963 بقرار من رئيس الوزراء السيد حسن علي بيومي.
وبعد وفاة الرئيس بيومي في يونيو 1963، تولى زين باهارون رئاسة حكومة عدن الوطنية، ليصبح ثاني رئيس وزراء لها، وأصغر شخصية تتولى هذا المنصب في ذلك الوقت.
وخلال فترة رئاسته للحكومة، شهدت عدن عدداً من الخطوات المهمة في بناء مؤسسات الدولة وترسيخ الهوية العدنية، ومن أبرزها:
اعتماد علم ولاية عدن ورفعه رسمياً في فبراير 1964 بعد تسجيله لدى الأمم المتحدة.
إقرار الشخصية العدنية الاعتبارية.
إلغاء قانون التحكيم الإجباري.
اعتماد اللغة العربية في المؤسسات الحكومية والتشريعية إلى جانب الإنجليزية.
إشراك المرأة العدنية في العملية الانتخابية.
افتتاح تلفزيون عدن في 11 سبتمبر 1964، ليصبح من أبرز المنجزات الإعلامية في المنطقة.
مواقف وطنية وإنسانية بارزة
عُرف زين باهارون بمواقفه الإنسانية، ومن أبرزها موقفه تجاه أبناء الجالية العربية في زنجبار عقب أحداث عام 1964، حيث سعت حكومته إلى مساعدة الأسر العربية هناك، وتأمين نقل عدد منهم إلى عدن ودمجهم في المجتمع العدني.
كما كان له موقف وطني خلال مؤتمر جنيف عام 1967، إذ دعم الوفد المشارك وقدّم المساندة المالية اللازمة لتغطية تكاليف سفره وإقامته، في موقف عكس رؤيته القائمة على تغليب المصلحة العامة رغم الخلافات السياسية.
رحيل مبكر وذاكرة لا تغيب
رغم مكانته الاقتصادية والسياسية ومواقفه المعتدلة، تعرض زين باهارون بعد التحولات السياسية في عدن للمصادرة والإقصاء، حيث فقد جزءاً كبيراً من ممتلكاته وشركاته.
رحل الشريف السيد زين عبداللطيف باهارون عام 1971، تاركاً وراءه إرثاً سياسياً واقتصادياً كبيراً، وذاكرة حافلة لشخصية عدنية استثنائية آمنت بأن بناء الإنسان والمؤسسة هو الطريق لصناعة المستقبل.
لقد بقي اسمه شاهداً على مرحلة كان فيها أبناء عدن يصنعون نماذج رائدة في التجارة والطيران والإدارة، وعلى جيل من الرجال الذين حملوا حلم عدن الحديثة.
#دليل_عدن_السياحي
#عدن_تاريخ_تراث_ثقافة_سياحة