آخر تحديث :الأحد - 04 أكتوبر 2026 - 02:14 م

كتابات واقلام


ثورة 14 من أكتوبر

الأحد - 04 أكتوبر 2026 - الساعة 01:54 م

د.محسن باشجيرة
بقلم: د.محسن باشجيرة - ارشيف الكاتب


أيام قليلة ونستقبل يومًا من أيام العمر، لم تصنع أشعته شمس الضحى، بل صنعناه بأيدي ثوار ثورة 14 أكتوبر 1963، في الوقت الذي كانت الجزيرة العربية تحت الانتداب البريطاني، وغير مسموح لأي جماعات أو نفوذ للثوار، بل كانت بريطانيا تطارد كل مشتبه به في دعم الثوار من أبناء القبائل والقيادات الوطنية في جيش المحميات الجنوبية والغربية التي تخضع لمعاهدات مع بريطانيا، ولكن كان للمناضلين في بلدنا رأي آخر في شن هجمات الكفاح المسلح ضد التواجد البريطاني في الجنوب العربي، مما أثار حفيظة بريطانيا واستدعت قوات خاصة من لندن لدعم القوات المتواجدة في عدن والمحميات الجنوبية والغربية. المتواجدة في عدن وصل أسطول بريطانيا في المياه الإقليمية، ورابط على الدوام، وحاملات الطائرات أيضًا كانت لا تفارق المناطق الساحلية للجنوب، وطائراتها تشن من حين لآخر ضربات على مقاتلينا في ردفان والضالع ومكيراس ومناطق أخرى، ولكن كل هذه الضغوطات لم تثنِ شبابنا وقادة الثوار عن مواصلة كفاحهم المسلح، مما جعل بريطانيا تغير أسلوبها في المعارك، بشراء ذمم البعض من الخونة من أبناء جلدتنا، وعلى طريقة سياسة فرق تسد المعروفة في السياسة البريطانية، التي استخدمتها في كثير من مستعمراتها، ونجحت في أماكن وفشلت في أماكن أخرى.
وخلال أربع سنوات كفاح مسلح، قدم شبابنا خيرة الرجال من خلال التضحيات، وشن هجمات على المعسكرات والتواجد الاستعماري في شتى مناطق الجنوب، ولأن عدن كانت رمزيتها للشعب الجنوبي كبيرة، كانت الأنظار على عدن كبيرة، وكانت بريطانيا تحاول بكل السبل كسر تقدم الثوار إلى عدن والمناطق المجاورة لها، إلا أن الثوار عملوا ما يلزم للوصول إلى عدن، وعملوا هجمات على المعسكرات البريطانية ونقاط التفتيش، مما أربك الإنجليز في عدن. وأول ما عمله المناضلون بعد نكسة حزيران أنهم استولوا على مدينة كريتر، مما جعل القيادة البريطانية في عدن تجن جنونها، وهي التي لم تستوعب ما حدث. ظلت كريتر عصية على الإنجليز لعدة أيام.
كان للمناضلين رؤية في تكثيف الهجمات على الإنجليز في عدن، مما صعّب على الإنجليز مهامهم وتواجدهم فيها، واتساع رقعة نطاق الثوار في عموم المناطق الجنوبية، وبدأت بريطانيا بسحب معسكراتها في كثير من المناطق حتى صار تواجدها محصورًا في عدن. وهنا بدأت الدسائس، وبدأت حرب أهلية بين أبناء الوطن الواحد بين جبهتي القومية والتحرير، وخسرنا خلالها كثيرًا من الثوار من الجانبين، للأسف الشديد، مما أجبر مناضلي جبهة التحرير لمغادرة المشهد والهروب إلى مدينة تعز، والبعض لم يعد إلى أرض الوطن حتى توحيد اليمن سنة 1990، عادوا إلى مدنهم وقراهم، وهذه كانت إحدى المآسي التي عاشها شعبنا خلال الكفاح المسلح ضد بريطانيا، وطبعًا بريطانيا كان لها دور كبير في حدوث هذا الخرق بين أبناء الوطن الواحد.
إن ثورة 14 أكتوبر المجيدة أتت لتصحيح كثير من الشوائب في بلدنا والاختلالات التي سادت أثناء تواجد الاستعمار البريطاني، والذي كان يهتم بعدن فقط، وترك بقية المناطق الجنوبية للسلاطين الذين كانوا يحكمون البلاد، كلًّا في نطاق حدوده، وكان لا يسمح لأبناء الوطن بالتعليم غير في الكتّاب، وبعد كذا بدأت بعض السلطات في فتح مدارس لأبناء الشعب ودعم المتفوقين للدراسة في مصر والسودان وبعض الدول الأخرى، مما أتاح لشبابنا الانفتاح على العالم، وهناك بدأ البعض في تكوين أول نواة للثوار وتجنيد المناضلين في الداخل، وطلب الدعم من الخارج، وكان لثورات التحرر العربية والأجنبية يد في دعم ثوارنا في الداخل بمدهم بالسلاح النوعي.
أما بالنسبة للبنات، فكانت الدراسة محصورة على عدن وبكميات قليلة جدًا في فترة الاستعمار البريطاني، ولكن بعد الاستقلال المجيد فتحت المدارس في كثير من المحافظات والمديريات لأبناء شعبنا، وتم إرسال كثير من الطلاب للدراسة في الخارج في مجال الطب والهندسة والقانون والطيران وغيرها من التخصصات التي عادت بالنفع على بلدنا وشعبنا، وفتح آفاق كبيرة وعلاقات مع دول العالم، بعد أن كانت بلدنا تحت الاستعمار البريطاني لفترة 129 عامًا، عاش شعبنا فيها تحت ظلم الاستعمار البريطاني الذي جثا على أرضنا.
ومن هنا قرر ثوار 14 أكتوبر 1963 تفجير الثورة من جبال ردفان الشماء، بأبسط أنواع السلاح، وهو السلاح الشخصي من بندقية وبعض الدعم الذي وصل من مصر عبر تعز، ونتيجة العزيمة عند الثوار لم يكن نقص السلاح والغذاء عائقًا أمام الثوار، ولكن أعطاهم دافعًا كبيرًا في استمرار الكفاح المسلح ضد الاستعمار البريطاني حتى دحره عن أراضينا، وتكلل ذلك في نيل الاستقلال المجيد في الـ30 من نوفمبر 1967.