تبدو محافظة شبوة اليوم أمام مشهد سياسي وإداري معقد، تختلط فيه الإنجازات بالتحديات، والاستقرار بالصراعات، والمشاريع والخدمات بأسئلة كبيرة حول النفوذ والفساد وإدارة الموارد. ولذلك فإن تشخيص واقع المحافظة لا ينبغي أن يكون من زاوية المديح المطلق أو النقد المطلق، وإنما من خلال قراءة هادئة لما تحقق وما رافق المرحلة من اختلالات.
منذ تولّي الشيخ عوض محمد بن الوزير منصب محافظ محافظة شبوة، شهدت المحافظة تحولاً ملحوظاً في عدد من المجالات. فقد نُفذت مشاريع، وتحسنت بعض الخدمات، وتعزز مستوى الاستقرار، كما تمكنت شبوة من الحصول على دعم إقليمي مهم، خصوصاً من دولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية.
ولا يمكن فصل ذلك عن طبيعة العلاقات التي يمتلكها المحافظ مع مختلف الأطراف والقيادات السياسية، وهي علاقات ساعدت، بلا شك، في إيصال قضايا شبوة إلى دوائر القرار والحصول على دعم ومعالجات لعدد من الملفات التي كان الوصول إليها أكثر صعوبة في ظروف أخرى.
كما أن المرحلة نفسها كانت شديدة الحساسية على المستوى الإقليمي، في ظل التباينات التي شهدتها العلاقة بين السعودية والإمارات وما انعكس عنها من تداعيات سياسية وأمنية في اليمن. وفي هذا السياق، تمكنت شبوة من تجاوز كثير من تلك التعقيدات، وهو ما جعل البعض يرى في وجود المحافظ عاملاً من عوامل التوازن والاستقرار.
ومن هنا نشأت صورة إيجابية لدى شريحة من أبناء المحافظة، ترى في عوض بن الوزير رجل مرحلة، وأن استمرار وجوده يمثل ضمانة لاستمرار الدعم والمشاريع والاستقرار.
لكن السياسة لا تُقرأ من زاوية واحدة.
ففي الجهة الأخرى من المشهد، ظهرت خلال السنوات الماضية انتقادات واسعة تتحدث عن توسع شبكات النفوذ والمصالح، ووجود ممارسات وملفات فساد في قطاعات متعددة، من الأراضي والخدمات إلى الملفات النفطية والأمنية والعسكرية والإدارية.
هذه الاتهامات، سواء اتفقنا معها أو اختلفنا، تستحق أن تؤخذ بجدية، لا لأنها تعني بالضرورة إدانة أشخاص بعينهم، وإنما لأن انتشارها بهذا الشكل يعكس وجود أزمة ثقة تحتاج إلى معالجة مؤسسية واضحة.
والأخطر من الفساد نفسه هو أن يشعر المواطن بأن بعض الملفات أصبحت أكبر من قدرة المؤسسات على الاقتراب منها، أو أن النفوذ السياسي والاجتماعي يحول دون فتح تحقيقات شفافة ومستقلة.
وهنا تبرز المشكلة الحقيقية.
إذا كانت هناك منظومات فساد، فإن تغيير الأشخاص وحده لن يكون كافياً للقضاء عليها. وإذا كانت هناك اتهامات باطلة، فإن أفضل طريقة لإسقاطها ليست بالصمت أو التخوين، وإنما بالتحقيق الشفاف وإظهار الحقائق للرأي العام.
ولذلك فإن اختزال مستقبل شبوة في سؤال: هل يبقى المحافظ أم يرحل؟، هو اختزال لمشكلة أكبر من شخص.
المحافظ، مهما كانت قدراته وعلاقاته، جزء من مؤسسة الدولة وليس الدولة نفسها. والإنجاز الذي لا يستطيع الاستمرار بعد رحيل صاحبه ليس إنجازاً مؤسسياً مكتمل الأركان، كما أن الفساد الذي يتوقف فقط على رحيل مسؤول معين يكشف قبل كل شيء عن ضعف مؤسسات الرقابة والمحاسبة.
شبوة بحاجة إلى أن تنتقل من حكم الأشخاص إلى قوة المؤسسات.
فإذا كانت هناك مشاريع ناجحة، فيجب حمايتها واستمرارها. وإذا كان هناك دعم إقليمي، فيجب أن يتحول إلى مشاريع مستدامة تخدم أبناء المحافظة، لا إلى أوراق سياسية مرتبطة ببقاء هذا المسؤول أو ذاك.
وإذا كانت هناك ملفات فساد، فيجب فتحها أمام جهات رقابية وقضائية مستقلة، بعيداً عن الانتقام السياسي أو تصفية الحسابات.
أما تحويل كل نقد إلى مؤامرة، وكل مطالبة بالتغيير إلى عداء للمحافظة، فهو طريق لا يخدم أحداً.
وبالمقابل، فإن تصوير كل ما تحقق خلال المرحلة باعتباره فساداً أو فشلاً هو أيضاً ظلم للحقيقة وللواقع.
الحقيقة غالباً تقع في المنطقة التي لا يحبها المتعصبون: هناك إنجازات تستحق الاعتراف، وهناك اختلالات تستحق المحاسبة.
وهذه هي المسؤولية الحقيقية أمام أبناء شبوة اليوم: أن يدافعوا عن الإنجاز دون أن يمنحوا أحداً حصانة، وأن يطالبوا بالمحاسبة دون أن يهدموا ما تحقق.
في النهاية، شبوة ليست مشروع شخص، وليست ملكاً لحزب أو تيار أو جماعة أو شبكة مصالح. شبوة أكبر من المحافظ، وأكبر من المعارضة، وأكبر من كل مراكز النفوذ.
فالمحافظون يتغيرون، والقيادات ترحل، والتحالفات تتبدل، لكن شبوة تبقى.
ولهذا فإن المعيار الذي يجب أن يحكم المرحلة المقبلة ليس: من يبقى ومن يرحل؟
بل:
ماذا بقي لشبوة؟ ومن يحمي مؤسساتها؟ ومن يصون ثرواتها؟ ومن يحاسب من يثبت فساده؟ ومن يضمن أن يستمر الإنجاز بعد رحيل الأشخاص؟
فحين تصبح الدولة أقوى من الأشخاص، والقانون أقوى من النفوذ، والمصلحة العامة أقوى من الولاءات، عندها فقط يمكن القول إن شبوة بدأت تضع قدميها على الطريق الصحيح.
أما أن تبقى المحافظة رهينةً لشخص، أو رهينةً لشبكات المصالح، فذلك يعني أن المشكلة لم تكن يوماً في اسم المحافظ، وإنما في غياب المؤسسة التي يفترض أن تكون أكبر من الجميع.