في كل عام، حين يطل شهر ربيع الأول، تستعيد ذاكرة المسلمين واحدة من أكثر اللحظات إشراقًا في التاريخ الإنساني: لحظة ميلاد محمد بن عبد الله، النبي الذي أرسله الله رحمة للعالمين، والذي لم يكن ظهوره في التاريخ ميلاد رجل عادي، بل ميلاد رسالة غيّرت وجه العالم، وأعادت تعريف الإنسان بنفسه وبربه وبالآخرين.
ليس محمد مجرد شخصية تاريخية نتذكرها في مناسبة سنوية، ولا اسمًا عابرًا في كتب السيرة. إنه النموذج الذي ظلت سيرته حاضرة في وجدان المسلمين قرونًا طويلة، بما حملته من معاني الرحمة والعدل والتواضع والصفح والمساواة وكرامة الإنسان.
ومن هنا، فإن الاحتفاء بمولده يمكن أن يكون مناسبة جميلة لاستعادة تلك القيم، لا مناسبة للخصومة بين المسلمين.
فإذا كان بعض المسلمين يرى في إحياء ذكرى المولد تعبيرًا عن المحبة والفرح برسول الله، ويراه آخرون مناسبة لم تكن معروفة بهذه الصورة في العصور الأولى، فإن الخلاف في هذه المسألة ينبغي ألا يتحول إلى باب جديد من أبواب التنازع والتبديع والتفسيق والقطيعة.
الاحتفال بالمولد يجوز إذا اقترن بتلاوة القرآن والذكر والصلاة على النبي وقراءة سيرته وتكريس المساواة بين جميع الناس واجتناب ما يخالف مقاصد الشريعة وآداب الإسلام ويكرس الفرقة والتفرقة.
فالمولد ليس معركة فقهية ينبغي أن ينتصر فيها فريق على فريق، وإنما يمكن أن يكون فرصة لكي يتذكر المسلمون جميعًا لماذا أحبوا محمدًا، ولماذا بقي اسمه حيًا في ضمائرهم بعد أربعة عشر قرنًا.
محمد الذي جاء ليهدم العصبية
ثمة مفارقة مؤلمة في واقع المسلمين اليوم.
نحن نحتفل بنبي جاء ليحرر الإنسان من عبودية الإنسان، ثم نعيد أحيانًا بناء بعض أشكال التراتب الاجتماعي باسم الدين.
نحتفل بنبي قال إن الناس جميعًا يرجعون إلى أب واحد، ثم نسمح للنسب أن يتحول في بعض البيئات إلى وسيلة للتفاضل والتمايز الاجتماعي.
نحتفل برسول جعل التقوى والعمل معيار الكرامة، ثم نجد من يتعامل مع النسب وكأنه شهادة تفوق دائمة، تنتقل من الآباء إلى الأبناء، ومن الأجداد إلى الأحفاد، بصرف النظر عن العلم والعمل والاستقامة.
وهنا ينبغي أن نتوقف.
وعلينا تجنب . تحويل احترام النسب إلى امتياز اجتماعي أو ديني أو سياسي موروث فهذا لا يمكن إلا ان يثير نتائج وردود فعل سلبية.
فالقرآن لا يقول إن الناس يتفاضلون بأصولهم العائلية، وإنما يقول بوضوح: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾.
وقد ذهب الطبري في تفسيره إلى أن جعل الشعوب والقبائل إنما هو للتعارف ومعرفة الأنساب، وليس لإثبات فضيلة لأحد على أحد، مؤكدًا أن معيار الكرامة عند الله هو التقوى، لا عظمة البيت ولا كثرة العشيرة.
وفي هذا المعنى جاءت الكلمة النبوية البالغة الدلالة: «لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى». وقد صححها عدد من أهل الحديث.
إنها ليست مجرد عبارة جميلة تصلح للخطابة في المناسبات؛ إنها مبدأ تأسيسي في الرؤية الإسلامية للإنسان.
ولهذا فإن الاحتفال بمولد النبي، إذا أردناه احتفالًا يليق به، يجب أن يعيدنا إلى هذا المعنى، لا أن يبعدنا عنه.
الرسول الذي لم يجعل النسب طريقًا إلى السلطة
ومن المفيد هنا أن نتذكر حقيقة تاريخية لا ينبغي أن تغيب عن الوعي الإسلامي: لقد كان للنبي أبناء ذكور، منهم القاسم وعبد الله وإبراهيم، لكنهم توفوا صغارًا، ولم يبق له عقب ذكوري يستمر عبر الأبناء الذكور. وقد استمر نسله من ابنته فاطمة رضي الله عنها.
وهذا التفصيل التاريخي له دلالة رمزية بالغة.
فالنبي الذي ارتبطت به أقدس رسالة في التاريخ لم يترك وراءه مؤسسة وراثية للحكم الديني، ولم يضع لأحد من ذريته نظامًا يمنحه سلطة على المسلمين لمجرد كونه من ذريته.
بل إن الإسلام نفسه نقل مركز الثقل من النسب إلى العمل، ومن الدم إلى التقوى، ومن الامتياز الموروث إلى المسؤولية الفردية.
ولذلك لا ينبغي أن يتحول الانتساب إلى آل البيت، سواء ثبت هذا الانتساب أم ادعاه بعض الناس بلا دليل، إلى جواز للاستعلاء على الآخرين أو احتكار المكانة أو الوظائف أو النفوذ أو المال أو القرار.
بل إن شرف النسب، إذا صح، ينبغي أن يكون تكليفًا أخلاقيًا قبل أن يكون تشريفًا اجتماعيًا.
فمن كان أقرب إلى بيت النبوة، يفترض أن يكون أقرب إلى أخلاق النبي.
ومن كان ينتسب إلى رسول الله، يفترض أن يكون أول الناس تواضعًا ورحمة وعدلًا.
ومن كان يحمل اسمًا شريفًا، ينبغي أن يكون عمله أشرف من اسمه.
وهنا يصبح النسب قيمة أخلاقية، لا طبقة اجتماعية.
لقد عرف المجتمع الإسلامي منذ وقت مبكر جدلًا واسعًا حول العلاقة بين النسب والمكانة، والبنية الاجتماعية والطبقية والامتيازات المرتبطة بالنسب.
وليس من الإنصاف أن نحول هذا التاريخ كله إلى خصومة بين محبي آل البيت وخصومهم؛ فالصورة أكثر تعقيدًا من ذلك.
واليوم لا نحتاج إلى إلغاء أحد،
ليس المطلوب أن يأتي المولد النبوي ليقول لأحد: أنت لست من آل البيت.
ولا أن يتحول إلى منصة للتشكيك في أنساب الناس.
فالأنساب علم له قواعده، وله أهله ومصادره، وليس من الحكمة أن يصبح كل فرد قاضيًا على أنساب الآخرين.
لكن في المقابل، ليس من المقبول أن يتحول ادعاء النسب إلى حصانة من النقد، أو إلى جواز للاستعلاء، أو إلى طريق للحصول على امتيازات لا يحصل عليها غير المنتسبين إلى تلك الفئة.
إن القضية في جوهرها ليست: من هو الشريف؟
بل: ماذا يفعل الشريف بشرفه؟
وليست: من ينتمي إلى البيت النبوي؟
بل: ماذا يعني الانتماء إلى بيت النبي في السلوك والأخلاق؟
فالرسول نفسه لم يجعل معيار الإنسان اسمه ولا نسبه، وإنما عمله وتقواه.
وفي الحديث الصحيح المشهور: «من بطّأ به عمله لم يسرع به نسبه».
إن النسب الذي لا يتحول إلى خلق يصبح مجرد ذاكرة عائلية.
والنسب الذي يتحول إلى تكبر يناقض صاحبه أكثر مما يرفعه.
أما النسب الذي يدفع صاحبه إلى التواضع وخدمة الناس وإغاثة الملهوف واحترام المختلف ونشر العلم والرحمة، فهو الذي يكتسب معناه الحقيقي.
فلتكن ذكرى المولد النبوي فرصة للمصالحة
لقد أدت الخلافات حول الاحتفال بذكرى المولد، وفي أحيان كثيرة، إلى انقسام المسلمين إلى معسكرات متقابلة.
فريق يرى في الاحتفال بالمولد تعبيرًا عن المحبة.
وفريق يراه أمرًا محدثًا لا ينبغي تخصيصه بهذه الصورة.
ثم ينتقل الخلاف من دائرة الحكم الفقهي إلى دائرة الحكم على الأشخاص، ومن الاختلاف في الفعل إلى الاختلاف في الإيمان، حتى تصبح مناسبة يفترض أن تجمع القلوب سببًا جديدًا للتنازع.
وهذا، في تقديري، يناقض الغاية الأسمى التي ينبغي أن نتعلمها من سيرة النبي.
فالخلاف الفقهي يمكن أن يبقى خلافًا فقهيًا.
والمسلم الذي يحتفل بالمولد ليس بالضرورة جاهلًا أو مبتدعًا أو غارقًا في الخرافة.
والمسلم الذي لا يحتفل به ليس بالضرورة كارهًا للنبي أو ناقص المحبة له.
لقد وسع التراث الإسلامي مساحات واسعة من الاختلاف، وكان العلماء قادرين في كثير من الأحيان على الاختلاف دون أن يحولوا اختلافهم إلى حرب أهلية في القلوب.
ولهذا فإننا أحوج ما نكون اليوم إلى فقه الاختلاف، وإلى إعادة الاعتبار لفكرة أن وحدة المسلمين أكبر من كثير من مسائل الخلاف التي استنزفت طاقاتهم.
ماذا لو احتفلنا بالنبي بطريقة تشبهه؟
ماذا لو جعلنا المولد مناسبة للتصدق على الفقراء؟
ومناسبة لإطعام المحتاجين؟
ومناسبة لإطلاق مبادرات تعليمية؟
ومناسبة لزيارة المرضى وكبار السن؟
ومناسبة للصلح بين المتخاصمين؟
ومناسبة للتذكير بحقوق المرأة والطفل والفقير والضعيف؟
ومناسبة لتدريس السيرة النبوية بعيدًا عن المبالغات والأساطير وتخدير الناس بما لذ وطاب من الشعارات و القصائد المنمقة .
فنجعلها مناسبة لتذكير الحاكم والمحكوم بأن العدل هو روح الرسالة؟
ومناسبة لتذكير الغني بأن المال أمانة، والقوي بأن القوة مسؤولية، والعالم بأن العلم تكليف، وصاحب النسب بأن شرفه لا يعفيه من أن يكون صالحًا؟
عندها فقط تصبح المناسبة أكثر من ليلة مضيئة أو أناشيد ومدائح وأطعمة وحلوى. وتصبح مشروعًا أخلاقيًا.
ويصبح الاحتفال بالنبي محاولة للاحتفال بما جاء به.
وهنا تحديدًا ينبغي أن نتوقف عند معنى المحبة.
فالمحبة ليست أن نرفع صوتنا بمدح النبي فقط، وإنما أن نخفض أصواتنا في وجه المظلومين.
وليست أن نكثر الصلاة عليه بألسنتنا فقط، وإنما أن نحفظ حقوق الناس بأيدينا.
وليست أن نتغنى بتواضعه، ثم نتكبر على الآخرين بسبب اسم عائلة أو لقب أو نسب.
وليست أن نكرر أنه جاء رحمة للعالمين، ثم نجعل الدين سببًا للخصومة والكراهية والإقصاء.
شرف محمد في أن رسالته لم تكن فئوية ولا طبقية
إن أعظم ما في محمد أنه لم يجعل الإسلام ناديًا مغلقًا.
كان بلال الحبشي في المجتمع الجديد إلى جوار العربي.
وكان سلمان الفارسي إلى جوار القرشي.
وكان صهيب الرومي جزءًا من الجماعة المؤمنة.
ولم تكن قيمة هؤلاء في أصولهم الجغرافية ولا في لون بشرتهم ولا في أسماء آبائهم، وإنما فيما قدموه من إيمان وعمل وتضحية.
لقد أعاد الإسلام ترتيب سلم القيم.
لم يعد السؤال: من ابن من؟
بل: ماذا صنعت؟
ولم يعد السؤال: من أي قبيلة أنت؟
بل: ماذا قدمت؟
ولم يعد الشرف مجرد ميراث.
بل أصبح مسؤولية.
وهذا هو المعنى الذي ينبغي أن نستعيده كلما أقبل المولد.
إن أعظم تكريم للنبي ليس أن نجعل لأنفسنا طبقة باسمه، وإنما أن نكون أقرب إلى أخلاقه.
وإذا كان الانتساب إلى البيت النبوي شرفًا، فإن أول مقتضيات هذا الشرف هو التواضع.
فمحمد، وهو سيد ولد آدم، كان يجلس حيث ينتهي به المجلس، ويخدم أهله، ويقبل دعوة الفقير، ويواسي الضعيف، ويعفو عند المقدرة.
فكيف يمكن أن نحتفل به ثم ننسى تواضعه؟
ولم يكن النبي محمد مدرسة للامتياز الوراثي، وإنما كان مدرسة للتواضع والرحمة والبذل.
ومن هنا، فإن أجمل احتفال بمولده قد لا يكون أكثر الاحتفالات ضجيجًا، ولا أكثرها زينة، ولا أكثرها إنفاقًا.
قد يكون ذلك الاحتفال الهادئ الذي يجعل إنسانًا يتواضع بعد كبر، وغنيًا يعطي بعد إمساك، ومتخاصمين يتصالحان، وقويًا ينصف ضعيفًا، وصاحب نسب يتذكر أن نسبه لا يغنيه عن عمله، وصاحب علم يتذكر أن علمه أمانة.
إذ ذكرى المولد النبوي يوم و تنتهي في التقويم.
أما محمد، فينبغي ألا ينتهي في حياتنا.