يومًا عن يوم يتحول عنوان "الحوار الجنوبي - الجنوبي" إلى ما يشبه الأحجية التي تم تسويقها للتسلية وإضاعة الوقت لكنها استهلكت بمرور الوقت وتطاوله وفقدت ما كان لها من الجاذبية عند بداية طرحها.
ولعل من بين أغرب ما تعيشه الحوارات التي تعقد تحت إشراف الأشقاء في دول مجلس التعاون الخليجي وعلى رأسها المملكة السعودية الشقيقة أن الدعوات إلى الحوار تاتي إما في ظل الحروب أو ما بعد حربٍ يكون الاشقاء أصحاب الدعوة شركاءً وطرفًأ رئيسيًا فيها، وحينما تاتي الدعوة للحوار بعد حرب دامية حفرت ندوبها في وجدانات المدعوين للحوار فان مشاعر الراغبين في الحوار تتضارب بين الرغبة الجادَّة في حوارٍ حُرٍّ وندِّيٍ ومتكافئٍ ومثمر، وبين استحضار أصوات أزيز الرصاص ودوي الانفجارات وصفير الطائرات وهي تقذف حممها فوق رؤوس أهالي المدعوين لهذا الحوار ومشاهد أشاوس الشرعية الداعية للحوار، وهم ينهبون مؤسسات الدولة ومقتنيات الإهالي المدعوين للحوار.
وفي كل الأحوال، وحتى لو تجاهلنا ما تعرض له الجنوب من ضربةٍ مؤلمةٍ في مطلع العام ومواصلتها بالوسائل الناعمة منذ يناير المنصرم حتى يوم الناس هذا، فإن الحديث عن الحوار الجنوبي قد أصبح أشبه بالمسرح الكوميدي الذي لم يعد يثير التسلية لكثرة امتداحه بلا أي ملامح تشير إلى بلوغه مراماته، بعد مضي ما يقارب ثلثي العام على الدعوة له، أقول بغض النظر عن هذا فبعد مضي كل هذا الزمن أصبح طعم الحديث عن الحوار كطعم المادة المخللة منتهية الصلاحية.
وفي نظري انه يجب التمييز بين الدعوة الى الحوار وحاجة الجنوبيين إلى حوارٍ جديٍّ وفاعلٍ ومثمر وبين حوار يكون قد تمَّ الإعداد المسبق لمخرجاته مثل ما جرى في مؤتمر الرياض الأول (مايو 2015م) أو مفاوضات الرياض (أغسطس-نوفمبر 2019م) أو مشاورات الرياض (إبريل 2022م)، حيث كانت الحوارات ومخرجاتها في وادي والوقائع الجارية على الأرض في وادٍ آخر مما جعل نتائجها جميعًا تذهب أدراج الرياح.
ومن هذا المنطلق فانه يمكن للشعب الجنوبي أن ينتظر حوارًا جنوبيًّا بنَّاءً ومثمرًا في ظل عددٍ من الشروط أهمها:
1. إن الحوار الجنوبي-الجنوبي هو حاجةٌ موضوعية وضرورة حتمية لتنقية الأجواء السياسية الجنوبية وخلق بيئة سياسية صحية تساعدُ على تقديم رؤية ناضجة ومتكاملة للحل العادل للقضية الجنوبية بما يستجيب لتطلعات الشعب الجنوبي؛
2. إن الحوارَ الجادَّ والمثمر والبناء ينبغي أن لا يُعقد خارج الأرض الجنوبية، بل في العاصمة الجنوبية عدن ، وحتى في ظل الهيمنة المطلقة لسلطات رشاد العليمي وسياساته القمعية تجاه الشعب الجنوبي وقواه السياسية وقادتها وناشطيها؛
3. إن الحوار الجنوبي-الجنوبي يجب ان يكون بين الجنوبيين بمختلف رؤاهم ومشاربهم السياسية دونما حاجة إلى التدخل من قبل أي طرف غير جنوبي، وهذا بطبيعة الحال لا يمنع من رعاية منظمات إقليمية ودولية محايدة وعلى وجه الخصوص منظمة الامم المتحدة وجامعة الدول العربية ومجلس التعاون الخليجي؛
4. إن الحوار الجنوبي يجب أن يتمحور حول مضمون القضية الجنوبية وحلها العادل وتقديم رؤية مسؤولة لمستقبل الدولة الجنوبية وشكل الحكم فيها على أساس النظام الفيدرالي التعددي القائم على الدستور والقانون والعدالة الاجتماعية والحياة المؤسسية والتداول السلمي للسلطة واقتصاد السوق ونظام الرعاية الاجتماعية وهي مشتركات لايمكن أن يختلف عليها اثنان؛
ولا يمكن لأي حوار جنوبي أو شمالي أو جنوبي-شمالي أن يتجاوز مشكلة العلاقة بين الشمال والجنوب، وفي رأينا المتواضع أن أساس العلاقة السليمة والقابلة للاستمرارية يكمن في العودة إلى حدود ما قبل العام 1990م على أساس دولتين شقيقتين متجاورتين متعاونتين متشاركتين في أكثر من مجال سياسي وأمني واقتصادي وإنساني، كما كان عليه الأمر قبل العام 1990 وربما أفضل بكثير فليس بين الجنوبيين والشماليين ما يبعث العداوات والخصومات والنزاعات والحروب إلَّا أطماع الأقلية الطفيلية التي لا يهمها إلا مصالح أفرادها وجماعاتها المعلنة وغير المعلنة.
(وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ)
صدق لله العظيم