لا يختلف اثنان على أن الدولة اليمنية أضحت اليوم تعيش واحدة من أكثر مراحل ضعفها وهشاشتها التي مرت بها طوال تاريخها الحديث؛ ونستطيع القول بأنها أضحت تعاني حالة من التشظي والتفكك الذي يجعل منها عرضة في المستقبل القريب لإعادة تقسيم البلاد إلى دويلات وكانتونات صغيرة تعمل بمعزل عن بعضها البعض، وفي ظل مناخات وبيئة سياسية مشبعة بكل صنوف الاضطرابات والفوضى التي اتسع نطاقها، ولم يعد أحد قادرًا على السيطرة على الأوضاع المتدهورة التي تعم البلاد من شرقها إلى غربها ومن شمالها إلى جنوبها.
إن الحديث عن وجود دولة في اليمن بات أمرا مشكوك فيه بل أن مثل هذا القول لا يعدو عن كونه مجرد زوبعة في فنجان، ومجرد لغو ليس للدولة مكان من إعراب ما يجري على أرض الواقع الذي اختلط فيها حابل الفوضى بنابل الاضطرابات السياسية والعسكرية والأمنية، التي تؤكد جميعها عدم وجود أي دور فاعل لهذه الدولة المزعومة التي فقدت السيطرة على الأوضاع في عموم البلاد، فضلًا عن كونها لم تعد هي الجهة الوحيدة التي تحتكر القوة دون غيرها، بل لقد غدت أطراف كثيرة تمتلك القوة وتنافس الدولة بما تمتلكه من قدرات عسكرية لم تعد الدولة، بجلالة قدرها، قادرة على مواجهتها أو السيطرة عليها أو حتى التقليل من خطورتها وما يمكن أن تقدم عليه من أعمال، في ظل حالة الانفلات السياسي والعسكري والأمني التي تعيشها اليمن اليوم، التي لا تساوي شيئًا من دون دعم التحالف العربي لها والوقوف إلى جانبها ليس حبا فيها بل حفاظًا على عدم انهيار الأوضاع التي باتت خارج سيطرة هذه الدولة الفاشلة، التي دخلت نفق « الفشل » منذ وقت مبكر وستبقى حبيسة هذا الفشل ولن تقوم لها قائمة في حال ظلت الأوضاع الراهنة مثل ما هي عليه دون حدوث أي تحول دون اتخاذ إجراءات حاسمة وصارمة تعيد الأمور إلى نصابها، ونعيد للدولة الفاشلة اعتبارها الذي ذهب مع الريح، وذهبت معه كذلك قدرتها على مواجهة كافة التحديات والمخاطر المحيطة بها، فضلًا عن عدم قدرتها على فرض سيطرتها ونفوذها على كامل ترابها الوطني الذي أضحى تحت رحمة المليشيات والمكونات العسكرية والأمنية التي تشكلت بفعل الفراغ السياسي الذي أجتاح البيئة السياسية للبلاد التي لم تجد أمامها من خيار الا القبول بحالة التعدد والتنوع العسكري والأمني الذي أكتسح الساحة اليمنية والجنوبية على حدا سواء.
ولم تعد الأزمة مجرد ضعف في أداء مؤسسات الدولة أو عجزها عن القيام بوظائفها، وإنما تحولت إلى حالة أكثر تعقيدًا وخطورة، تتمثل في تعدد مراكز القوة العسكرية والأمنية، وتباين مرجعياتها، واختلاف حساباتها وأولوياتها، بحيث لم تعد الدولة وحدها صاحبة الحق الحصري في امتلاك القوة وتوجيهها واستخدامها، بل إن هناك أطرافًا أضحت تشاركها في امتلاك القوة والنفوذ.
وهنا تكمن واحدة من أخطر مظاهر الأزمة اليمنية؛ لأن الدولة التي لا تحتكر قرار الحرب والسلم، ولا تمتلك مؤسسة عسكرية وأمنية موحدة تخضع لقيادة سياسية واحدة، يصعب عليها الحديث عن سيادة مكتملة أو شرعية قادرة على فرض قراراتها، مهما امتلكت من اعتراف دولي أو غطاء سياسي وقانوني.
لقد أفرزت سنوات الحرب واقعًا عسكريًا وأمنيًا شديد التعقيد، تشكلت خلاله قوى وتكوينات عسكرية متعددة، لكل منها قياداتها وعقيدتها ومرجعياتها ومناطق نفوذها وحساباتها الخاصة التي لا تندرج بالضرورة ضمن حسابات الدولة أو تتطابق معها.
وفي الوقت الذي فرضت فيه مليشيات الحوثي سلطتها على معظم جغرافيا الشمال، أصبحت المحافظات الجنوبية، أو ما يُعرف اصطلاحًا بـ «المحافظات المحررة»، ساحةً لعدد من التشكيلات والمكونات العسكرية والأمنية التي تشكلت خلال سنوات الحرب، بدعم وتمويل من دول التحالف العربي، وخاصة من جانب المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة، اللتين كان لهما دور بارز في تشكيل ودعم عدد من هذه القوات التي تعمل اليوم في الميدان وتؤدي أدوارًا عسكرية وأمنية مختلفة.
وقد كان للجنوب في مواجهة الحوثيين حضوره العسكري والميداني البارز، إذ خاض أبناؤه معارك شرسة وقدموا تضحيات كبيرة انتهت بتحرير محافظاته من سيطرة مليشيات الحوثي، وهو واقع لا يمكن تجاهله عند قراءة الخارطة العسكرية والسياسية التي تشكلت بعد الحرب.
لكن الاعتراف بهذا الدور والتضحيات لا يعني أن استمرار تعدد التشكيلات العسكرية والأمنية يمكن أن يكون بديلًا عن الدولة، كما أن الحديث عن بناء مؤسسة عسكرية وأمنية وطنية لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة لإنكار خصوصية الواقع السياسي والعسكري الذي تشكل خلال سنوات الحرب، أو للتعامل مع القوى الموجودة على الأرض وكأنها مجرد تشكيلات يمكن تجاوزها بقرار إداري.
فالمشكلة التي تواجه اليمن اليوم لا تكمن فقط في وجود هذه التشكيلات، وإنما في غياب مركز وطني جامع قادر على توحيد القوة العسكرية والأمنية ضمن مؤسسة واحدة، وعقيدة وطنية واضحة، وسلسلة أوامر واحدة، ومرجعية سياسية مسؤولة عن اتخاذ القرار.
فإذا كان الحوثيون قد فرضوا سلطتهم على معظم المحافظات الشمالية، فإن القوى والتشكيلات العسكرية والأمنية الموجودة في الجنوب أصبحت هي الأخرى صاحبة النفوذ الفعلي على الأرض في معظم المحافظات الجنوبية، الأمر الذي جعل نفوذ ما يسمى بالشرعية محدودًا ومجزأً، وأوجد واقعًا جديدًا لم تعد فيه السلطة السياسية قادرة بمفردها على التحكم في أدوات القوة.
وهذا الواقع لا يمكن معالجته بمجرد إصدار البيانات أو تغيير القيادات أو إعادة توزيع المناصب العسكرية والأمنية؛ لأن المشكلة أعمق من ذلك بكثير. إنها مشكلة بنية دولة فقدت قدرتها على إنتاج مركز قرار موحد، وأصبحت القوة فيها موزعة بين مراكز متعددة، لكل مركز منها حساباته ومصالحه وقراءته الخاصة للمشهد السياسي والعسكري.
ومن هنا فإن إعادة بناء المؤسسة العسكرية والأمنية ينبغي أن تكون جزءًا من مشروع متكامل لإعادة بناء الدولة نفسها، لا مجرد عملية لإعادة ترتيب الوحدات العسكرية. فالمؤسسة العسكرية الحقيقية لا تُبنى على أساس الولاءات الشخصية أو المناطقية أو الحزبية، وإنما على أساس عقيدة وطنية واضحة، وقيادة موحدة، وقانون ينظم عملها، وقرار سياسي يمتلك القدرة على توجيهها ومحاسبتها.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث في بلد يعاني الحرب والانقسام هو أن يتحول تعدد القوى العسكرية من حالة مؤقتة فرضتها ظروف الحرب إلى واقع دائم يصبح جزءًا من بنية الدولة نفسها. وعندها لن يكون الحديث عن استعادة الدولة سوى شعار، لأن الدولة لا يمكن أن تقوم في ظل تعدد الجيوش وتعدد مراكز القرار العسكري والأمني.
كما أن استمرار هذا الوضع يفتح الباب أمام مزيد من التفكك السياسي والجغرافي، ويجعل أي تسوية سياسية مستقبلية عرضة للانهيار، لأن الاتفاقات السياسية مهما بلغت من القوة تظل بحاجة إلى قوة عسكرية وأمنية موحدة قادرة على حمايتها وتنفيذها وفرض احترامها على الجميع.
ومن الخطأ كذلك النظر إلى هذه المسألة من زاوية شمالية أو جنوبية فقط؛ لأن جوهر المشكلة يتعلق بمفهوم الدولة ذاتها. فإذا كانت هناك قوى عسكرية وأمنية متعددة في الشمال والجنوب، فإن السؤال الحقيقي الذي ينبغي طرحه هو: من يمتلك القرار السيادي ؟ ومن يملك قرار الحرب والسلم ؟ ومن يستطيع أن يفرض القانون على الجميع دون استثناء؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة هي التي تحدد ما إذا كنا أمام دولة تمتلك مؤسساتها وأدوات قوتها، أم أمام سلطة سياسية تعيش فوق واقع متعدد مراكز القوة.
وفي الحالة اليمنية، تبدو الإجابة أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى؛ فالبلاد لم تعد تعاني فقط من انقسام سياسي، وإنما أصبحت أمام انقسام في أدوات القوة نفسها، وهو ما يجعل استعادة الدولة أكثر صعوبة، ويجعل أي حديث عن إنهاء الحرب وإحلال السلام ناقصًا ما لم يترافق مع مشروع واضح لإعادة بناء المؤسسة العسكرية والأمنية.
ولا يعني ذلك بالضرورة إلغاء القوى والتشكيلات التي نشأت خلال سنوات الحرب، أو تجاهل تضحياتها، وإنما يعني إعادة صياغة علاقتها بالدولة على أساس قانوني ومؤسسي واضح، بحيث تصبح القوة العسكرية والأمنية جزءًا من الدولة لا بديلًا عنها، وتصبح حماية الأرض والمواطن والمؤسسات هدفًا جامعًا يتقدم على المصالح الخاصة والحسابات السياسية الضيقة.
إن الدولة لا تستعيد هيبتها بالشعارات، ولا تستعيد قرارها السيادي بمجرد الاعتراف الدولي بها، وإنما تستعيده عندما تصبح صاحبة القرار الفعلي في الحرب والسلم، وصاحبة الحق الحصري في استخدام القوة، والقادرة على حماية حدودها وفرض القانون على كامل أراضيها.
أما بقاء الوضع الراهن، حيث تتعدد المكونات العسكرية والأمنية وتتعدد معها المرجعيات ومراكز النفوذ، فإنه يعني ببساطة استمرار حالة الدولة الموزعة التي لا تستطيع أن تكون دولة كاملة السيادة، ولا تستطيع في الوقت نفسه أن تفرض مشروعًا وطنيًا جامعًا على جميع القوى الموجودة على الأرض.
ولذلك فإن معركة استعادة الدولة اليمنية لا ينبغي أن تختزل في استعادة المدن أو المحافظات من هذه القوة أو تلك، وإنما يجب أن تمتد إلى استعادة مفهوم الدولة ذاته، واستعادة مؤسساتها وقرارها وسيادتها وحقها الحصري في امتلاك القوة.
فاليمن لن يستطيع الخروج من أزمته الراهنة ما لم ينتقل من مرحلة تعدد مراكز القوة إلى مرحلة توحيد القرار، ومن تعدد المؤسسات العسكرية والأمنية إلى مؤسسة وطنية قادرة على حماية البلاد، ومن واقع تتحكم فيه القوى المتعددة إلى دولة تكون فيها المؤسسات هي صاحبة القرار.
إن تعدد المكونات العسكرية والأمنية قد يكون مفهومًا في ظروف الحرب، لكنه لا يمكن أن يكون أساسًا لبناء دولة مستقرة. فالحرب قد تفرض تعدد القوى، أما الدولة فلا تقوم إلا بتوحيدها ضمن إطار قانوني ومؤسسي واضح.
وهنا تكمن الخلاصة: حين تتعدد المكونات العسكرية والأمنية، وتتعدد معها المرجعيات ومراكز القرار، يصبح غياب الدولة أمرًا واقعًا لا مجرد توصيف سياسي؛ وحين تستعيد الدولة احتكارها المشروع للقوة، وتوحد مؤسساتها وقرارها العسكري والأمني، تبدأ فعليًا أولى خطوات استعادة الدولة لهيبتها وسيادتها.
فالقضية في اليمن اليوم ليست فقط من يملك السلاح ؟ وإنما الأهم من يملك قرار استخدامه ؟ ولصالح من ؟ وتحت أي مؤسسة ؟.
وهذه هي الأسئلة التي ينبغي أن تكون في صدارة أي مشروع جاد لإنهاء الحرب وبناء الدولة اليمنية.