لم تعد الحرب الحديثة تُقاس فقط بعدد الجنود الذين يسقطون في ساحات القتال، ولا بعدد الدبابات والطائرات التي تدمرها المعارك. فقد أخذت الحروب، خلال العقدين الأخيرين، تنقل بوصلة الاستهداف تدريجيًا من الجيوش والمعسكرات والقواعد العسكرية إلى اقتصاد العدو نفسه: إلى الموانئ، والمصافي، ومحطات الكهرباء، وخطوط أنابيب النفط والغاز، والمصانع، والمخازن، والممرات البحرية، والمصارف، وشبكات التجارة والطاقة.
ولعل التصريح الأخير الذي أصدره هذا اليوم السبت ٢٢ أغسطس ٢٠٢٦ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يقدم واحدًا من أوضح التعبيرات عن هذا التحول. فقد اتهم أوكرانيا بفتح (صندوق باندورا) عندما بدأت باستهداف أهداف اقتصادية روسية، بينها مصافي النفط والمستودعات، متوعدًا بأن يكون الرد الروسي عبر استهداف القطاعات الاقتصادية الأكثر حساسية في أوكرانيا.
هنا لا تعود الحرب مجرد محاولة لإلحاق الهزيمة بالجيش المقابل، وإنما تصبح محاولة لإضعاف القدرة الاقتصادية التي تجعل استمرار الحرب ممكنًا.
من تدمير معسكرات الجيش إلى خنق الاقتصاد
كانت القاعدة التقليدية في الحروب أن تضرب جيش خصمك لكي تجبره على التراجع أو الاستسلام. أما اليوم فقد أصبح من الممكن أن تضرب اقتصاده، فتضعف قدرته على تمويل جيشه، وتشل حركة صادراته ووارداته، وتقطع عنه مصادر الطاقة، وتمنع وصول موارده إلى الأسواق.
ولهذا أصبحت المنشأة النفطية أحيانًا أكثر أهمية من الثكنة العسكرية، والميناء أكثر حساسية من بعض القواعد العسكرية، ومصفاة النفط هدفًا استراتيجيًا قد تكون قيمته في الحرب أكبر من قيمة دبابة أو مدفع.
فالجيش يحتاج إلى الوقود، والوقود يحتاج إلى النفط، والنفط يحتاج إلى الموانئ والمصافي وخطوط النقل والأسواق. والجيش يحتاج إلى المال، والمال يأتي من اقتصاد قادر على الإنتاج والتصدير وجمع الضرائب والحصول على العملات الصعبة.
وبذلك يصبح الاقتصاد نفسه جبهة قتال.
وهذا ما نشهده بصورة واضحة في الحرب الروسية الأوكرانية. فقد توسعت الضربات المتبادلة لتشمل منشآت الطاقة والنفط والمخازن والبنية التحتية الزراعية ومرافق تصدير الحبوب، ولم تعد محصورة في خطوط الجبهة. وتكشف تصريحات بوتين الأخيرة أن موسكو تنظر إلى استهداف الاقتصاد الأوكراني بوصفه مرحلة جديدة في الحرب.
إنها حرب لا تستهدف الجندي وحده، وإنما تستهدف القدرة على دفع راتبه وتسليحه وإمداده.
ترامب والحرب الاقتصادية:
ولم يخترع دونالد ترامب الحرب الاقتصادية، فالعقوبات والحصار والضغط التجاري أدوات قديمة في السياسة الدولية. لكن ترامب، خصوصًا خلال رئاسته الحالية، جعل استخدام الأدوات الاقتصادية أكثر صراحة واتساعًا، وحوّل الرسوم الجمركية والعقوبات والضغط على الطاقة والتجارة والتمويل إلى أدوات أساسية في سياسته الخارجية.
لقد تعامل ترامب مع الاقتصاد باعتباره سلاحًا من أسلحة القوة الأمريكية، لا مجرد وسيلة للتبادل التجاري.
تحت شعار (أمريكا أولًا)، أصبح السؤال الذي يحكم السياسة التجارية الأمريكية هو: ماذا تكسب الولايات المتحدة؟ ومن يدفع الثمن؟ ومن يستطيع الوصول إلى السوق الأمريكية؟ ومن يمكن حرمانه منها؟
ولم يعد هذا السلاح موجهًا إلى الخصوم التقليديين فقط. فقد استخدمته واشنطن ضد إيران، وضد روسيا، وضغطت من خلاله على دول وشركات تتعامل مع خصومها. وفي أغسطس 2026، صعّدت إدارة ترامب الضغوط على إيران إلى مستوى وصفته واشنطن بأنه من أشد العقوبات الاقتصادية، مع تهديد الدول والشركات التي تستمر في التعامل مع طهران.
وفي الوقت نفسه، امتدت أدوات الضغط إلى قطاع الطاقة الروسي، بما في ذلك استهداف شركات نفطية وشبكات مرتبطة بها، واستخدام الرسوم والعقوبات للضغط على الدول التي تشتري النفط الروسي.
وهكذا أخذت الحرب الاقتصادية شكلًا جديدًا: قد لا ترسل واشنطن جيشًا إلى الدولة المستهدفة، لكنها تستطيع أن تضرب عملتها، وتجارتها، وصادراتها، ومصارفها، وشركاتها، وقطاع الطاقة فيها.
إنها حرب بلا جنود في كثير من الأحيان، ولكنها قد تكون ذات آثار تفوق أحيانًا آثار القصف التقليدي.
(أمريكا أولًا)... حتى مع الأصدقاء
المثير في النموذج الأمريكي الجديد أن الحرب الاقتصادية لا تتوقف بالضرورة عند حدود الخصوم.
فالرسوم الجمركية والعقوبات والقيود التجارية يمكن أن تطال دولًا صديقة وحليفة إذا رأت واشنطن أن مصالحها الاقتصادية مهددة أو أن تلك الدول لا تنسجم مع أولويات السياسة الأمريكية.
وهنا تكتسب عبارة (أمريكا أولًا) معناها الحقيقي: ليس المهم فقط أن تنتصر الولايات المتحدة عسكريًا، وإنما أن تضمن أن تكون قواعد الاقتصاد الدولي في خدمة مصالحها.
لقد أصبحت القوة الاقتصادية الأمريكية نفسها جزءًا من منظومة الردع.
ومن هنا يمكن فهم التحول الكبير في طبيعة الصراعات الدولية: لم تعد الحدود السياسية هي وحدها ساحات الحرب، بل أصبحت الأسواق العالمية والممرات البحرية وسلاسل الإمداد وحقول النفط والغاز ومصانع الرقائق الإلكترونية والموانئ والمصارف ساحات مفتوحة للصراع.
الحوثيون... نموذج آخر للحرب الاقتصادية
وليس الشرق الأوسط بعيدًا عن هذه التحولات.
فالحرب اليمنية تقدم نموذجًا صارخًا على انتقال الصراع من استهداف المواقع العسكرية إلى استهداف مصادر الدخل الاقتصادي وشرايين التصدير.
فمنذ عام 2022 استهدف الحوثيون موانئ تصدير النفط الواقعة تحت سيطرة ما يسمى بالشرعية اليمنية باستخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة، في هجمات هدفت عمليًا إلى تعطيل صادرات النفط، وبالتالي حرمان الحكومة من أحد أهم مصادر الإيرادات.
ولم يتوقف الأمر عند اليمن. ففي يوليو 2026 تصاعدت المواجهة لتشمل منشآت نفطية وموانئ سعودية، كما تبنى الحوثيون استهداف ناقلة نفط سعودية في البحر الأحمر.
وهكذا أصبح النفط، والميناء، والسفينة، وخط الملاحة، جزءًا من المعركة.
فالهدف لم يعد فقط إسقاط موقع عسكري أو قتل عدد من الجنود، بل إحداث خسارة اقتصادية، ورفع تكلفة الحرب، وتعطيل حركة التجارة والطاقة، وإرسال رسالة إلى الدولة المستهدفة وإلى الأسواق الدولية في الوقت نفسه.
وهذا بالضبط ما يجعل الحرب الاقتصادية شديدة الخطورة؛ لأنها لا تبقى محصورة بين طرفي النزاع.
الميناء قد يصبح أخطر من المعسكر
لقد تغيرت قيمة الأهداف العسكرية في الحرب الحديثة في الماضي كان تدمير المعسكر يعني إضعاف القوة العسكرية الموجودة فيه. أما اليوم فإن تدمير الميناء قد يعني تعطيل صادرات دولة بأكملها، وتدمير مصفاة قد يؤدي إلى أزمة وقود، وضرب محطة كهرباء قد يشل المصانع والمستشفيات والمطارات، واستهداف منشأة غاز قد يؤثر في شبكة الطاقة الوطنية.
وهنا يتحول الاقتصاد إلى سلاح وساحة في الوقت نفسه.
بل إن بعض الدول تستطيع إلحاق أضرار اقتصادية بخصومها من دون إطلاق رصاصة واحدة: عقوبات، تجميد أموال، منع تصدير التكنولوجيا، قطع التعاملات المصرفية، فرض رسوم جمركية، حظر شراء النفط، منع شركات النقل والتأمين من التعامل مع دولة معينة.
وإذا أضيفت إلى ذلك الصواريخ والطائرات المسيّرة والهجمات على الموانئ والمنشآت النفطية، فإننا نكون أمام شكل جديد من الحرب المركبة: حرب عسكرية بأهداف اقتصادية، وحرب اقتصادية بأدوات عسكرية.
من يربح حرب الاقتصاد؟
السؤال الأصعب هو: هل يمكن كسب الحرب الاقتصادية من دون كسب الحرب العسكرية؟
التجارب الحديثة تقول إن الأمر ليس بهذه البساطة.
العقوبات قد تضعف اقتصاد دولة، لكنها قد تدفعها أيضًا إلى البحث عن أسواق بديلة. واستهداف النفط قد يقلل صادرات الخصم، لكنه قد يرفع أسعار الطاقة عالميًا. وإغلاق ميناء قد يضر بالدولة المستهدفة، لكنه قد يرفع كلفة النقل والتأمين على الجميع.
ولهذا فإن الحرب الاقتصادية تشبه النار التي يمكن أن تمتد إلى خارج حدود المكان الذي أُشعلت فيه.
وقد ظهر ذلك بوضوح في البحر الأحمر وممرات الطاقة العالمية، حيث يمكن لهجوم على سفينة أو ميناء أن ينعكس على تكاليف النقل والتأمين وأسعار الطاقة والغذاء في مناطق بعيدة عن مسرح الحرب.
الجبهة القادمة ليست بالضرورة جبهة عسكرية
ربما يكون أخطر ما في هذا التحول أن المواطن العادي أصبح طرفًا غير مباشر في الحرب.
فحين تُضرب مصفاة، لا يتضرر صاحبها فقط، وإنما قد ترتفع أسعار الوقود. وحين يتوقف ميناء، لا تتوقف أرباح شركة واحدة فقط، بل قد تتأثر العملة والميزانية والوظائف والاستيراد. وحين تُفرض عقوبات مالية واسعة، قد يجد المواطن نفسه أمام ارتفاع الأسعار ونقص السلع وصعوبة التحويلات.
وهكذا تنتقل الحرب من الخندق إلى السوق، ومن الجبهة إلى المائدة.
لقد تغيرت بوصلة المدافع والطائرات.
لم تعد الطائرة تبحث دائمًا عن الدبابة، بل قد تبحث عن المصفاة. ولم يعد الصاروخ يتجه بالضرورة إلى المعسكر، بل قد يتجه إلى الميناء. ولم تعد المعركة تدور فقط حول السيطرة على الأرض، بل حول السيطرة على القدرة على إنتاج الثروة ونقلها وتصديرها.
ومن هنا يمكن فهم دلالة كلام بوتين عن (صندوق باندورا). فإذا كانت الحرب قد بدأت تستهدف الاقتصاد بصورة مباشرة، فإن فتح هذا الباب يعني أن كل طرف يستطيع أن يقول للآخر: إذا ضربت مصانعي وموانئي ومنشآتي النفطية، فسأضرب مصانعك وموانئك وطاقتك.
وبذلك يتحول الاقتصاد إلى ساحة انتقام متبادل.
وربما تكون هذه هي أخطر مراحل الحرب الحديثة: حين يصبح تدمير اقتصاد الخصم هدفًا بحد ذاته، وحين يصبح الميناء أهم من المعسكر، والمصفاة أهم من الثكنة، وسلسلة الإمداد أهم من خط الجبهة.
إننا أمام عصر جديد لا تختفي فيه الحرب التقليدية، لكنها تتغير. فالجيوش لا تزال تقاتل، والطائرات لا تزال تقصف، والصواريخ لا تزال تطلق، لكن خلف كل ذلك تدور حرب أخرى أكثر هدوءًا واتساعًا: حرب على المال والطاقة والتجارة والموانئ والأسواق.
وقد يكون السؤال الذي ينبغي أن نطرحه منذ الآن ليس: أين ستسقط القنابل؟
بل:
أي اقتصاد سيكون الهدف التالي؟