إذا وقفت في أحد شوارع مدننا الرئيسية، وخصوصًا في ساعات الذروة، فسوف تلاحظ مشهدًا أصبح مألوفًا إلى درجة أننا لم نعد نتساءل عن دلالاته: عشرات، بل مئات من باصات الأجرة الصغيرة تتدافع في الشوارع، وتتوقف بصورة متكررة لتحميل الركاب وإنزالهم.
هذه المركبات التي يسميها بعض الناس «الدباب»، أو الباص الصغير، أصبحت جزءًا أساسيًا من منظومة النقل في مدننا. ويقود معظمها شباب تتراوح أعمارهم تقريبًا بين الخامسة عشرة والثلاثين سنة. بعضهم متفرغ تمامًا لهذه المهنة، وبعضهم يمارسها بعد انتهاء الدراسة أو بالتناوب مع شقيق أو قريب، فيما يعمل بعض السائقين موظفين أو مدرسين أو مجندين، ويجدون في قيادة الباص مصدر دخل إضافي.
لكن السؤال الذي يستحق أن نتوقف عنده هو: من يملك كل هذه الباصات؟
فالسائق الذي نراه خلف المقود ليس بالضرورة مالك المركبة. وهذه هي الحلقة الغائبة في الحديث عن ظاهرة الباصات الصغيرة.
السائق ليس دائمًا هو المالك
في كثير من الحالات، يبدو الأمر بسيطًا: شاب يقود باصًا صغيرًا، يجوب الشوارع طوال اليوم، يجمع أجور الركاب، ثم يعود في نهاية اليوم إلى صاحب المركبة ليسلمه المبلغ المتفق عليه.
لكن خلف هذه الصورة البسيطة توجد علاقة اقتصادية أكثر تعقيدًا.
فقد يتفق مالك الباص مع السائق على مبلغ يومي ثابت، وليكن – وفق ما يتداوله العاملون في المهنة – نحو ثلاثين ألف ريال، على أن يكون ما يزيد على ذلك من دخل السائق، وقد يتحمل السائق الوقود ومصاريف التشغيل اليومية. وفي حالات أخرى تكون العلاقة شهرية، أو تقوم على نسبة من الإيرادات، أو على ترتيبات مختلفة بحسب نوع المركبة وخط سيرها وحالتها.
وبذلك يصبح الباص الصغير أشبه بـ«مشروع استثماري» مستقل، لا مجرد وسيلة نقل.
وهنا تبدأ الأسئلة الحقيقية: هل كل هؤلاء الشباب الذين يقودون الباصات يملكونها؟ وكم منهم اشترى مركبته من مدخراته؟ وكم منهم حصل عليها من أسرته؟ وكم منها مملوك لموظفين ومدرسين وأصحاب أعمال؟ وكم عدد الأشخاص الذين يمتلكون أكثر من باص؟ وهل وصل الأمر ببعضهم إلى امتلاك أسطول صغير تديره إدارة خاصة؟
هذه الأسئلة تبدو بسيطة، لكنها في الحقيقة تقودنا إلى اقتصاد كامل يكاد يكون غير مرئي.
وراء كل سائق مستثمر؟
من الملاحظ ميدانيًا أن ملكية الباصات الصغيرة لا تقتصر على فئة اجتماعية واحدة. فهناك سائقون يملكون مركباتهم، وهناك أشخاص يشترون باصًا أو أكثر ويؤجرونها للسائقين.
واللافت أكثر أن بعض ملاك هذه المركبات من النساء، ومن المدرسات والموظفين وأساتذة الجامعات وأصحاب المهن المختلفة. وقد يكون الباص بالنسبة لبعض هؤلاء مصدر دخل إضافي منتظم، خصوصًا في ظل تراجع القوة الشرائية للرواتب وارتفاع تكاليف المعيشة.
وهناك، في المقابل، ملاك يمتلكون عددًا أكبر من الباصات، بحيث لا يقودونها بأنفسهم، بل يتفرغون لإدارتها وتأجيرها للسائقين.
في هذه الحالة نكون أمام شيء مختلف تمامًا: رأس مال صغير يتحول إلى نشاط نقل منظم.
فصاحب خمسة أو عشرة باصات، مثلًا، لا يعود مجرد شخص يمتلك سيارات ويؤجرها؛ بل يصبح صاحب مشروع يحتاج إلى متابعة السائقين، وتحصيل المستحقات، وصيانة المركبات، وتوفير قطع الغيار، ومراقبة حركة العمل، وربما تعيين شخص أو أكثر لإدارة هذا النشاط.
وهنا يمكن أن نسأل: كم عدد هذه المشاريع الصغيرة في مدننا؟ وكم حجم الأموال المستثمرة فيها؟ ومن أين جاءت هذه الأموال؟ وكم تبلغ الأرباح السنوية الناتجة عنها؟
لا توجد، فيما يبدو، بيانات منشورة تجيب عن هذه الأسئلة بصورة واضحة.
ظاهرة عربية وليست مخلية فقط
قد يعتقد البعض أن انفصال ملكية المركبة عن قيادة المركبة ظاهرة محلية خالصة، لكن الواقع العربي يقول شيئًا آخر.
ففي الأردن، تشير مصادر رسمية ودراسات عن قطاع النقل إلى أن ملكية مركبات النقل العام كانت تاريخيًا موزعة بدرجة كبيرة بين الأفراد والشركات، قبل أن تتجه الدولة إلى مزيد من تنظيم القطاع وتجميع التشغيل ضمن شركات ومنظومات أكثر مؤسسية. وتذكر بيانات رسمية حديثة أن الملكية الفردية كانت تمثل أكثر من 84% من مركبات النقل العام قبل إعادة هيكلة القطاع.
وفي قطاع سيارات الأجرة الأردني، تظهر بوضوح كذلك العلاقة بين المالك والسائق؛ فقد نقلت صحيفة «جوردان تايمز» عن سائقي سيارات أجرة أن بعضهم لا يملك السيارة التي يقودها ويدفع للمالك بدلًا يوميًا. كما وثقت صحيفة «ذا ناشيونال» الحالة نفسها، مشيرة إلى أن أحد سائقي سيارات الأجرة في عمّان كان يستأجر السيارة من مالكها يوميًا.
أما في مصر، فقد تحول الميكروباص إلى أحد أهم وسائل النقل داخل المدن، وأصبح قطاعًا واسعًا قائمًا على التشغيل الخاص، إلى درجة أن الميكروباص نفسه أصبح ظاهرة اجتماعية واقتصادية قائمة بذاتها.
وفي حضرموت والسودان، أظهرت تجربة مدينة وادي حلفا خلال الحرب كيف يمكن للمركبات الصغيرة أن تتحول بسرعة إلى مصدر دخل رئيسي عندما تتغير الظروف الاقتصادية؛ فقد اتجه أصحاب سيارات خاصة إلى نقل الركاب، كما عمل شاب في «التكتوك» الذي يملكه والده خلال عطلته المدرسية، مستفيدًا من ارتفاع الطلب على النقل.
وفي العراق أيضًا، أصبح العمل في سيارات الأجرة مصدر رزق واسعًا، ليس للرجال فقط، بل للنساء كذلك؛ وقد وثقت تقارير عراقية حالات لنساء دخلن مجال قيادة سيارات الأجرة بسبب الحاجة الاقتصادية.
أما في سوريا، فتشير تقارير حديثة إلى أن سائقي سيارات الأجرة في دمشق يواجهون، من بين مشكلاتهم، صعوبة تغطية بدلات إيجار السيارات التي يعملون عليها، وهو ما يؤكد استمرار نموذج الفصل بين مالك المركبة وسائقها.
إذن، نحن أمام نموذج اقتصادي منتشر في المنطقة: شخص يمتلك المركبة، وشخص آخر يمتلك قوة العمل، وبينهما عقد أو اتفاق غير مباشر لتقاسم العائد.
لماذا يشتري الناس الباصات؟
السؤال الآخر الذي يستحق البحث هو: لماذا يشتري الموظف أو المدرس أو المرأة أو صاحب العمل باص أجرة صغيرًا؟
السبب الأول هو البحث عن دخل إضافي.
ففي اقتصاد يعاني من ضعف الرواتب وارتفاع الأسعار، قد يرى الموظف أن شراء باص وتأجيره لشاب قادر على قيادته يمثل وسيلة للحصول على دخل شهري أكثر انتظامًا من كثير من الاستثمارات الصغيرة الأخرى.
والسبب الثاني هو سهولة الدخول إلى هذا النوع من الاستثمار.
فشراء محل تجاري أو تأسيس مصنع أو مشروع كبير يحتاج إلى رأس مال وإجراءات وموقع وإدارة. أما الباص الصغير فيمكن أن يكون مشروعًا قائمًا بذاته: تشتري المركبة، وتجد سائقًا، وتتفق معه على المبلغ، ثم يبدأ النشاط.
أما السبب الثالث فهو الطلب المستمر.
فالناس يحتاجون إلى الذهاب إلى أعمالهم ومدارسهم وأسواقهم ومرافقهم الصحية، وفي المدن التي تفتقر إلى شبكة نقل عام حديثة ومنظمة يصبح الباص الصغير حلًا ضروريًا، حتى وإن كان ذلك على حساب انسيابية المرور.
لكن من يدفع الثمن؟
هنا تظهر الوجه الآخر للقضية.
فالسائق الذي يستأجر الباص لا يحصل على الإيراد كله. عليه أن يعمل ساعات طويلة، ويدفع الوقود، ويتحمل أحيانًا بعض مصاريف الصيانة، ثم يسلم المالك المبلغ المتفق عليه.
وإذا كان المبلغ اليومي ثابتًا، فإن السائق يتحمل مخاطر انخفاض عدد الركاب أو ارتفاع أسعار الوقود، بينما يظل دخل المالك أكثر استقرارًا.
وهذا يطرح سؤالًا اجتماعيًا مهمًا: هل العلاقة بين المالك والسائق علاقة استثمار عادلة، أم أن بعض أشكالها تحول السائق إلى عامل يعمل لساعات طويلة من أجل تأمين دخل محدود؟
وفي المقابل، لا ينبغي النظر إلى المالك باعتباره مستغلًا بالضرورة. فقد يكون قد وضع مدخراته في شراء المركبة، ويتحمل مخاطر تلفها واستهلاكها وانخفاض قيمتها، وقد يكون الباص هو مصدر دخله الوحيد.
لذلك فإن القضية ليست اتهام المالك أو السائق، وإنما فهم العلاقة الاقتصادية بين الطرفين وتنظيمها بصورة تحفظ حقوقهما.
الباص الصغير والاقتصاد غير المرئي
ربما تكون المشكلة الأساسية أن هذا الاقتصاد الضخم لا يظهر في الصورة الرسمية بالقدر الذي يستحقه.
نحن نعرف عددًا من الباصات التي تعمل في بعض الخطوط، لكننا لا نعرف بالضرورة عدد المالكين الحقيقيين، ولا توزيع الملكية، ولا عدد المركبات التي يملكها الشخص الواحد، ولا حجم الأموال المستثمرة فيها، ولا متوسط دخل المالك والسائق.
وهذا أمر مهم؛ لأن آلاف المركبات تعني آلاف الاستثمارات، وآلاف السائقين، وآلاف الأسر التي تعتمد بصورة مباشرة أو غير مباشرة على هذا النشاط.
وفي صنعاء، على سبيل المثال، وثقت دراسة للبنك الدولي قبل سنوات نموذجًا مشابهًا في سيارات الأجرة؛ إذ أشارت إلى أن معظم سيارات الأجرة الحضرية كانت مملوكة بصورة فردية وتؤجر للسائقين يوميًا أو لفترات أطول، مع احتفاظ السائق بما يتبقى بعد دفع الإيجار والوقود وبعض تكاليف الصيانة.
لكن تغير الأسعار والعملة وتوسع المدن وتزايد أعداد المركبات يجعل من الضروري إجراء دراسة جديدة لمعرفة الوضع الحالي.
من يملك الباصات إذن؟
ربما لا نستطيع اليوم تقديم إجابة رقمية دقيقة، لكن المشهد الميداني يسمح بطرح عدة فئات محتملة من المالكين:
سائقون يملكون باصاتهم بأنفسهم.
أفراد يشترون باصًا أو اثنين كمصدر دخل إضافي.
موظفون ومدرسون وأصحاب مهن حرة يستثمرون مدخراتهم في المركبات.
نساء يمتلكن باصات ويؤجرنها للسائقين.
أصحاب أعمال يمتلكون عدة مركبات.
مستثمرون يمتلكون عددًا كبيرًا من الباصات ويديرونها كقطاع نقل صغير.
وبين هذه الفئات توجد بالتأكيد حالات أخرى لا نعرف حجمها بعد.
ولهذا فإن عنوان المقال ليس مجرد سؤال صحفي: «من هم مالكو باصات الأجرة الصغيرة؟»، وإنما هو دعوة إلى اكتشاف اقتصاد كامل يعمل أمام أعيننا دون أن نعرف الكثير عن تركيبته.
السؤال الذي يستحق أن يُطرح
حين نشاهد عشرات الباصات الصغيرة تتزاحم في أحد شوارع المدينة، فإننا نرى في ظاهر المشهد سائقًا وشاحنة صغيرة وركابًا.
لكن خلف كل مركبة قصة أخرى.
هناك مالك دفع ثمنها، وسائق يبحث عن رزقه، وأسرة تنتظر دخلًا في نهاية الشهر، وقطع غيار ووقود وصيانة ورسوم، وربما شخص آخر يدير عدة مركبات ويحصّل منها دخلًا يوميًا.
لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس فقط: كم باصًا صغيرًا يسير في شوارع مدننا؟
بل: من يملك هذه الباصات؟ وكم يملك كل واحد منهم؟ وكم تبلغ قيمة هذا الاستثمار؟ ومن يحصل على الجزء الأكبر من العائد؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة قد تكشف لنا أن ظاهرة «الدبابات» التي نراها يوميًا ليست مجرد مشكلة مرور، بل واحدة من أكثر صور الاقتصاد الحضري الصغير انتشارًا وأقلها دراسة في بلادنا.
وربما يكون الوقت قد حان لكي ننظر إلى الباص الصغير لا باعتباره مركبة تعرقل الطريق فحسب، وإنما باعتباره مشروعًا اقتصاديًا له مالك، وعامل، ودخل، ورأس مال، وعلاقة تعاقدية، وتأثير اجتماعي واقتصادي يستحق أن نعرف حجمه الحقيقي.