في إدارة الصراعات وتقلب التحالفات، تزداد حالات الشكوك المخيفة التي تتولد عندما تتناقض الخطابات الإعلامية والسياسية مع التحركات التكتيكية والميدانية للأطراف المتصارعة.
هذا النمط من التحولات يمكن تفسيره وفهمه في ضوء محددات الرؤية السياسية والتحليل الجيوسياسي للأزمات عبر المقاربات العملية
لتوظيف الخصوم في الأزمات المركبة، حيث تلجأ الأطراف الفاعلة أحياناً إلى شيطنة طرف ما إعلامياً وسياسياً لتحقيق مكاسب مرحلية، ثم محاولة زجه في صراعات أوسع بهدف استنزافه وتجريده من مكامن قوته تحت شعارات القضايا الجيوسياسية أو مصالح قومية.
إن إعادة تعريف العدو والصراعات لا تُدار بالأخلاق أو الثبات المبدئي، بل ببراغماتية مفرطة، يكون الخاسر فيها من يحمل قيم الإيثار والنوايا الصادقة.
وهنا قد يتحول التحالف الاستراتيجي إلى منافسة، والعدو الأيديولوجي قد يصبح شريكاً غير مباشر، وفقاً لما تقتضيه بوصلة السيطرة وتوزيع النفوذ.. وقد ظهر ذلك واضحاً في تعامل قيادة التحالف العربي "المملكة العربية السعودية" مع كل من الحوثي والمجلس الانتقالي الجنوبي، وتحول إعادة تعريفهما من قبلنا، وبرهنة عليه عمليات القصف الجوي للقوات الجنوبية في معارك الخشعة ووادي حضرموت يناير 2026م. التي جرت تحت ذرائع بعيدة جداً عن حقائق .
إن إدارة التناقض الخطابي لتلك القوى، التي مارسته ضد الانتقالي، واعتبروه معرقل لمشروع التحالف وتاخير معركة إسقاط صنعاء من يد الحوثي، نجدهم اليوم يدعون القوات الجنوبية بعودتهم للمشاركة في مواجهة نفس العدو بعد تقدمه عليهم في معركة الكدحة.
كل ذلك يعكس استخداماً وظيفياً للخطاب السياسي المرتبك، حيث يُستخدم الاتهام الأول لشرعنة الاستهداف الداخلي، وتُستخدم الدعوة الثانية كفخ لاستدراج ذلك الطرف إلى معركة لا تُخدم مصالحه الوطنية أو الاجتماعية بقدر ما تخدم أجندة الطرف الاستدراجي...
إن إقحام هذه القوى في حروب وكالة لم تكن جزءاً من ترتيباتها، قد يكون ذلك بالفعل جزءاً من هندسة تصفية الحسابات.. حيث يُدفع بها إلى أتون مواجهة تُضعف بنيتها وتجعلها مكشوفة أمام استحقاقات ومخاطر مستقبلية.
وهذا يفسر طبيعة هذه التحركات التي تمثل خطة ممنهجة للتصفية أو مجرد تخبط تكتيكي يستدعي قراءة دقيقة لحجم الضغوط الميدانية، والتحالفات القادمة خلف الكواليس، ودرجة وعي الأطراف المستهدفة بهذه المناورات لتجنب الوقوع في أشراك السياسات الإقليمية المتحولة، دون تحقيق مقاصد تلك الدماء التي تنزف منذ 12عام، من الخشعة إلى مقبنه وتذهب هدراً لصالح اجندات غيرها..
د. فضل الربيعي