تُمثّل المسألة السياسية والقانونية لجمهورية أرض الصومال (Somaliland) إحدى أكثر الإشكاليات تعقيداً في النظام الإقليمي الأفريقي؛ إذ تُجسّد حالة فريدة لكيان استطاع إرساء دعائم دولة واقعية كاملة الأركان (De Facto State) تحظى بالمؤسسية والاستقرار الأمني والاستحقاقات الانتخابية الديمقراطية، دون أن ينال اعترافاً قانونياً رسمياً (De Jure Recognition) من المجتمع الدولي. وفي هذا السياق، يأتي تقرير بعثة تقصي الحقائق التابعة للاتحاد الأفريقي لعام 2005 برئاسة "باتريك مازيمهاكا" كوثيقة ممر حاسمة؛ حيث نقل النزاع من أطر المطالبات الانفصالية التقليدية إلى خانة معالجة الآثار المترتبة على إنهاء اتحاد طوعي غير مكتمل الشروط القانونية، مبرزاً أن هرجيسا تمتلك مقومات الدولة المستقلة وفق معاهدة مونتيفيديو لعام 1933.
ارتكز تقرير بعثة الاتحاد الأفريقي على قراءة تاريخية وقانونية تفصل بوضوح بين "الانفصال عن دولة أم قائمة" وبين "إلغاء اتحاد اندماجي فاشل". فقد أشار التقرير إلى أن أرض الصومال حازت استقلالها الوطني عن المملكة المتحدة في 26 يونيو 1960 كدولة كاملة السيادة وحظيت باعتراف إقليمي ودولي واسع، قبل أن تدخل بملء إرادتها في اتحاد طوعي مع الصومال الإيطالي في 1 يوليو 1960 دون التوقيع على وثيقة وحدة دستورية ملزمة ومصدق عليها. وبناءً على ذلك، فإن قرار استعادة الاستقلال الصادر عام 1991 لا يُعد خرقاً لمبدأ احترام الحدود الموروثة عن الاستعمار (Uti Possidetis Juris) الصادر عن قمة القاهرة لعام 1964، بل هو تطبيق أمين له كونه يستند إلى الحدود الدولية الرسمية للمحمية البريطانية السابقة لعام 1960.
فنّد التقرير القاري إحدى أكبر الهواجس التي تكبّل القرار السياسي للقادة الأفارقة، والمتمثلة في الخشية من أن يؤدي الاعتراف بأرض الصومال إلى فتح "صندوق بندورا" (Pandora's Box) وتغذية الحركات الانفصالية في القارة. وأكدت البعثة بعد معاينتها الميدانية أن أرض الصومال تمثل "حالة فريدة واستثنائية" (Sui Generis) في التاريخ السياسي القاري، نظراً لامتلاكها مرجعية حدودية دولية موثقة قبل الوحدة؛ وبالتالي فإن منحها الاعتراف القانوني لا يشكل سابقة تهدد السلامة الإقليمية للدول الأعضاء في الاتحاد الأفريقي، بل يُنهي وضعاً معلقاً يتناقض مع واقع بناء الدولة المستقر على الأرض.
على الصعيد الداخلي، سلّط التقرير الضوء على التمايز المؤسسي للنموذج السياسي في أرض الصومال، واصفاً إياه بالمعجزة السياسية التي شُيدت "من القاعدة إلى القمة" (Bottom-Up Statebuilding). فبخلاف تجارب التدخل الدولي المكلفة لإعادة بناء الدول، اعتمدت هرجيسا على المصالحة العشائرية التقليدية، ودمجت الأعراف المحلية بالنظام الدستوري الحديث من خلال مجلس الشيوخ العرفي (مجلس الجورتي)، ومارست التداول السلمي للسلطة عبر انتخابات ديمقراطية بدعم ذاتي وموارد محددة؛ وهو ما منح مؤسساتها شرعية شعبية واستقراراً أمنياً يستعصي إغفاله.
تجاوز التقرير البُعد السياسي المجرد ليبرز الأهمية الحيوية لجمهورية أرض الصومال في معادلة الأمن القومي لمنطقة القرن الأفريقي وجنوب البحر الأحمر. إذ يشكل شريطها الساحلي الممتد لأكثر من 850 كيلومتراً على خليج عدن حائط صد أمني في مواجهة مخاطر القرصنة، وتهريب السلاح، وتمدد الجماعات المسلحة والتنظيمات المتطرفة نحو المدخل الجنوبي لمضيق باب المندب. كما أن الشراكات الجيواقتصادية الأخيرة وتطوير ميناء بربرة والمنطقة الاقتصادية الحرة كرسا واقعاً الملاحة اللوجستية التي تجعل الاستقرار الميداني في أرض الصومال ضرورة إقليمية ودولية لحماية خطوط التجارة وإمدادات الطاقة العالمية.
النتيجة المحورية:..
أن عدم حصول أرض الصومال على الاعتراف القانوني الشامل (De Jure) لا يعود إلى نقص في شروط ومقومات الدولة الرشيدة أو غياب السند القانوني التاريخي، وإنما هو نتاج مباشر لـ سياسات الحذر والتوازنات الإقليمية والدولية التي تفضل إبقاء الملف في المساحة الرمادية. ويظل تقرير 2005 هو المرجع الأخلاقي والدبلوماسي الأقوى الذي يفرض على الفاعلين الدوليين الانتقال من مرحلة "إدارة الجمود التأجيلي" إلى مرحلة التعاطي الواقعي والشراكة الاستراتيجية المباشرة مع هرجيسا لضمان أمن الممرات الملاحية واستقرار شرق أفريقيا.
المصادر والمراجع
* African Union Commission (2005): Resume Report of the AU Fact-Finding Mission to Somaliland (30 April – 4 May 2005). Addis Ababa: African Union Secretariat.
https://au.int/ar?hl=ar-YE