قبل حرب 2015 بسنوات، كان قادة البحرية الإيرانية يتحدثون عن (المثلث الذهبي ) للممرات البحرية: هرمز، باب المندب وملقا. لم تكن طهران تنظر إلى البحر كجغرافيا عبور فقط، بل كمساحة نفوذ وردع يمكن نقل المعركة إليها عند الحاجة.
الإمارات، على ما يبدو، قرأت هذا الخطر مبكرًا. لذلك لم تكن مشاركتها في تحرير عدن، ثم تأمين باب المندب الجنوبي والتقدم شمالًا على الساحل الغربي، مجرد محطات في حرب يمنية؛ كان هناك خط عمليات واضح يلاحق الخطر على امتداد طريق الملاحة، وصولًا إلى ميناء الحديدة وما بعده شمالًا.
فالحوثي المحصور في جبال الشمال يظل ورقة إيرانية مؤثرة داخل اليمن، لكن امتداده إلى البحر يغيّر وظيفته الجيوسياسية. ومن الحديدة على الساحل الغربي إلى باب المندب وخليج عدن جنوبًا، يصبح قادرًا على التأثير في أمن البحر الأحمر ورفع كلفة المرور عبر واحد من أهم شرايين التجارة والطاقة في العالم.
ومن دون باب المندب تحديدًا، تفقد الورقة الحوثية جزءًا كبيرًا من قيمتها الجيوسياسية لإيران؛ فالمضيق هو الذي ينقل تأثير الحوثي من حدود اليمن إلى حسابات القوى الكبرى.
والأهم أن الإمارات لم تخض تلك المعركة بالطيران وحده. بنت ودرّبت قوات جنوبية، وربطت المقاتل على الأرض بمنظومة استخبارات وقيادة وإسناد جوي ولوجستي صنعت فارقًا حقيقيًا في الميدان.
كانت الفكرة في جوهرها بسيطة، لا يمكن حماية الممرات البحرية من البحر وحده؛ لا بد من قوة موثوقة تمسك الأرض المقابلة لها. وهنا تحديدًا كانت قيمة القوات الجنوبية في المعادلة الإماراتية.
ثم انقلبت المعادلة مطلع عام 2026. خرجت الإمارات، وضُرب المشروع السياسي الجنوبي، وتعرضت القوات التي تشكلت خلال سنوات لضغوط أضعفت تماسك المنظومة والعقيدة التي قاتلت بها؛ فالمقاتل الذي كان يرى في معركته امتدادًا لمشروع سياسي يحمي أرضه، وجد مشروعه يتراجع، فيما تتمركز قوات شمالية أخرى على أجزاء من جغرافيه.
واليوم، فيما يضغط الإيراني عند هرمز ويعود الحوثي إلى باب المندب والساحل الغربي، يبدو المشهد وكأنه يعيد طرح سؤال 2015 من جديد:
هل كانت أبو ظبي ترى منذ البداية ما لم يدرك الآخرون خطورته إلا بعد فوات الأوان؟
*سياسي واعلامي جنوبي
#باب_المندب #البحر_الأحمر #المخاء #الجنوب_العربي #الإمارات #السعودية #الحوثي #إيران