في لهجتنا نعني بالمصانجة القتال البيني على اعتبار المثل القائل:( المقتول لايسمع قارح البندق ) وفي هذا لابد من العودة إلى التراث الشعبي حيث تُروى قصةٌ تختصر بؤس المشهد وعبثيته الذي نعيشه منذ مطلع التسعينات من القرن الماضى وحتى اليوم : يُحكى أن أسرةً كاملةً كان يعاني كل أفرادها من الصمم الشديد. كان رب الأسرة يحرث الأرض بضمدٍ من البقر، فمر به مسافرٌ وعندما ألقى عليه التحية والسلام باليد . ولأن الرجل الأصم لا يسمع، فقد افترض أن الغريب يسأله عن بيع ثوريه فرد بحمية: "الأحمر يخصني، أما الأبيض فهو لأخي!" سأخبر أخي ثم نتفق
عند الظهيرة، أحضرت الزوجة الطعام، فقال لها زوجها: "لقد مر بي رجلٌ الصباح يسأل عن بيع الثيران، فقلت له إن الأبيض لأخي والأحمر لي". لم تسمع الزوجة شيئاً، لكنها لمحت حركة شفتيه وصنّفت الكلام وفق ما تشتهيه نفسها، فقالت: العيد قادم "إذا الثياب حسان! اشترِ ثوبين اثنين، واحداً لي والآخر لابنتنا العذراء".وما يلزم من احتياجات النساء فوضناك بماتراه لاعليك !
عادت الزوجة للمنزل وأخبرت ابنتها بأن أبيها سيشتري لهن ثوبين على مقاسهما. البنت الصماء هي الأخرى فسّرت رغبة أمها كما يمليه هوى قلبها، فظنت أن ثمة عريساً تقدم لخطبتها، فقالت بخجل: "الشور شوركم، وما ترونه في الخطبة أنا موافقة عليه!".
ومن شدة فرحتها، ركضت البنت لتزف الخبر لجدتها العجوز الصنجاء وقالت: "باركي لي يا جدة، لقد جاء لي عريس!". الجدة القرصانة من الجوع لم تفهم شيئاً عن العريس، بل ظنت أن الفتاة تخبرها بوجبة غداء،دسمة فقالت ببلادة المنهك: "خير يا بنيتي.. لا تسمقينيي باللحمة والكبدة فهاتي لي مايسد عواء امعائى من الجوع عصيدة ويكفي كما ترين لا سن لي ولا ضرس!".
نحن اليوم في هذا البلد المنحوسة ، محليين وجيران أقليميين، أشبه ما نكون بهذه الأسرة الصمّاء تماماً؛ شعبٌ وأطرافٌ متصارعة يعيشون في معزوليات صوتية، يُصمّون آذانهم عن الجوهر، ويُترجم كل طرفٍ المعاناة والحلول بما تشتهيه نفسه وتمليه أجندته الضيقة:
رب الأسرة (أطراف السلاح والنفوذ): لا يرى في الوطن سوى "ضمد البقر والمكاسب". يُسألون عن أنين الناس وحيوية الدولة، فيجيبون بحديث السيطرة والمحاصصة: "هذا المنفذ لي، وتلك المحافظة لأخي!". عمى وتعامٍ تشغيلي يرى في كل مبادرة تهديداً لملكيته.
الزوجة والبنت (النخب السياسية والمكونات التابعة): يحولون الكوارث والتحركات الدولية إلى "ثياب جديدة وعرائس وهمية". يُطرح ملف السلام أو الاقتصاد، فيترجمونه فوراً إلى استحقاقات سلطوية، وتوزيع مناصب، وغنائم وشرعيات مفصلة على مقاساتهم غافلين تماماً عن أصل الحديث ومقصد الخطاب.
الجدة العجوز (الشعب المنهك المغدور): فقد أضراسه وصبره من طول الجوع والتغاضي. لا تهمه "ثياب" النخب ولا "عرائس" السياسة الموهومة؛ ولا سكن و غذاء الفنادق في الخارج كل ما يرتجيه من كل هذا الصياح هو "قطعة خبز " يسد بها جوعته؛ راتبٌ يدفع، خدمةٌ تعود، وأمنٌ كفاف، بينما الجميع يُسمعه ضجيج مشاريعهم ويهيمون في وادٍ آخر.
إنها أزمة "تصانجٍ وطني ممنهج"؛ حوارٌ بين صمٍّ ينظرون إلى الهاوية، وكلٌّ يفسر السقوط بأنه قفزةٌ نحو النصر!
*رئيس تحرير صحيفة "دلتا برس"