لم يعد مشروع الجنوب قضية قابلة للاختزال في خلافات عابرة بين نخب أو مكونات سياسية، ولا ملفًّا أمنيًّا يمكن احتواؤه بإعادة توزيع المواقع أو صناعة كيانات جديدة. فمن منظور المجلس الانتقالي الجنوبي، بات هذا المشروع تعبيرًا سباسيًّا عن إرادة شعبية واسعة، وعن تراكم سياسي ونضالي طويل. ويرى المجلس أنه الإطار السياسي الأبرز الذي يحمل هذا المشروع، ويعبّر عن تطلعات قطاع واسع من أبناء الجنوب هو الذي يصمد وهو الذي يجب أن ينتصر.
وتكشف التجربة السياسية خلال الأشهر الماضية، وفق هذا المنظور، أن صناعة الكيانات الممولة سعوديًّا لا تعني صناعة الشرعية، وأن التمويل السياسي أو الدعم الإقليمي لا يستطيع وحده أن يمنح أي مكوّن قبولًا شعبيًّا، أو حضورًا اجتماعيًّا، أو شرعية وطنية مستدامة. فقد تنشأ كيانات بقرار سياسي، وقد تحصل على موارد وإسناد، لكنها تظل محدودة التأثير إذا لم تستند إلى قاعدة شعبية حقيقية، وإلى مشروع سياسي واضح، وإلى صلة عضوية بالمجتمع وتطلعاته وتضحياته.
ومن هنا يبرز جوهر الإشكال: هل يمكن أن تُصنع إرادة سياسية بديلة لإرادة شعب الجنوب عبر تفريخ مكونات أو إنشاء مجالس تنسيقية؟ أم أن الشرعية السياسية في نهاية المطاف تُبنى من قدرة المشروع على التعبير عن تطلعات الشعب، الذي يدافع عن مصالحه ويحافظ على قيادته المفوضة في التعبير عنه؟
إن تعدد المكونات الجنوبية ليس في ذاته مشكلة؛ فالتنوع السياسي حق طبيعي، والحوار بين الجنوبيين ضرورة لا غنى عنها. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول التعدد السياسي من إثراء للمشهد إلى أداة لتفكيك الإرادة العامة، أو عندما تُنشأ كيانات جديدة لا بوصفها إضافة إلى المشروع الوطني الجنوبي، وإنما بوصفها بديلًا مفروضًا عنه، أو وسيلة للالتفاف على موازين التأييد الشعبي.
ومن هذا الخلاف المصطنع الذي تحاول الرياض من خلاله تحويل قضية شعب الجنوب من قضية سياسية إلى ملف قابل للاحتواء، وفق القراءة التي يتبناها أنصار مشروع المجالس البديلة، فإن جانبًا من الانقسامات الراهنة يجري توظيفه سياسيًّا لصناعة ما يمكن وصفه بـ«حواضن سياسية بديلة» تُستخدم لمنح مشروعات الوصاية غطاءً جنوبيًّا، بحيث يبدو التدخل الخارجي وكأنه استجابة لخلاف جنوبي داخلي، بينما تكون النتيجة العملية إضعاف مركز الثقل الشعبي لقضية لشعب الجنوب.
وهنا تكمن خطورة تحويل قضية شعب الجنوب من قضية سياسية ذات مطالب واضحة إلى مجرد ملف أمني أو إداري قابل للإدارة عبر مجالس تنسيقية، وترتيبات مؤقتة، وإعادة توزيع للمواقع والنفوذ.
فحين تصبح القضية ملفًّا أمنيًّا، يصبح التعامل معها قائمًا على الاحتواء؛ وحين تصبح ملفًّا إداريًّا، يصبح حلها ممكنًا عبر إعادة تشكيل المؤسسات؛ أما حين تُعترف بها بوصفها قضية شعب ومشروعًا سياسيًّا، فإنها تستدعي معالجة جوهرية تتصل بإرادة هذا الشعب وحقه في تقرير مستقبله السياسي.
ومن هنا، لا ينبغي أن تتحول التضحيات التي قدّمها الجنوبيون، على امتداد سنوات الاحتلال اليمني، إلى رصيد سلطوي؛ فقد دفعوا أثمانًا باهظة من الدماء والأرواح والتهجير والمعاناة. ولذلك فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس فقط: من يملك السلطة؟ بل: لأجل ماذا قُدّمت كل هذه التضحيات؟
فإذا تحولت التضحيات إلى مجرد رصيد تستخدمه النخب للوصول إلى مواقع السلطة، فقد جرى إفراغها من معناها السياسي والأخلاقي. أما إذا بقيت مرتبطة بمشروع وطني واضح يستجيب لتطلعات الشعب، فإنها تتحول إلى ذاكرة سياسية تؤسس للمستقبل.
ومن هنا، فإن أي مشروع جنوبي لا يضع تضحيات الشعب في سياقها السياسي، ولا يجيب عن تطلعاته بشأن مستقبله ودولته، سيظل عاجزًا عن تقديم نفسه بوصفه مشروعًا وطنيًّا مكتملًا، مهما امتلك من موارد أو علاقات أو أطر تنظيمية.
وفي ظل ما يراه المجلس الانتقالي من أن قضية شعب الجنوب هي ثمرة نضال وتضحيات متراكمة، يجب أن يقرأها الدور الإقليمي وفق هذا الواقع، وأن يعيد ترتيب المشهد الجنوبي على هذا المسار. ومن هنا يبرز سؤال أكثر عمقًا: هل يُدار الخلاف الجنوبي من داخل الجنوب، أم تُعاد هندسته من خارجه؟
فالدعم الإقليمي يمكن أن يكون عاملًا مساعدًا في لحظات الصراع، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى بديل عن الإرادة الشعبية. كما أن أي تسوية سياسية مستدامة تحتاج إلى أن تنطلق من الاعتراف بالفاعلين الحقيقيين على الأرض، لا من افتراض إمكانية إنتاج شرعية مجالس بديلة عبر إعادة تشكيل الخريطة السياسية.
وفي هذا السياق، فإن الاستراتيجية التي تنظر إلى الجنوب باعتباره ملفًّا أمنيًّا قابلًا للاحتواء قد تحقق هدوءًا مؤقتًا، لكنها لا تعالج جذور القضية. أما المعالجة السياسية فتقتضي الاعتراف بأن الاستقرار المستدام لا يُبنى على تجاوز الإرادة الشعبية، وإنما على استيعابها في تسوية سياسية واضحة يمثلها مشروع سياسي واضح يفوضه الشعب
وإن الرهان على تفريخ الكيانات السياسية قد ينتج كثرة في الأسماء، لكنه لا ينتج بالضرورة قوة سياسية. فالشرعية ليست عددًا من المجالس، ولا حجمًا من التمويل، ولا كثرةً في البيانات، وإنما هي صلة حقيقية بين المشروع والشعب المؤمن به.
ولهذا فإن معيار أي مكوّن سياسي جنوبي ينبغي أن يكون واضحًا: ماذا يريد للجنوب؟ وما موقفه من حق شعب الجنوب في تقرير مستقبله؟ وما مشروعه السياسي؟ وما علاقته بالشعب وقضيته؟ وهل يستمد قوته من قاعدة شعبية حقيقية أم من شبكة الدعم الخارجي؟
ومن هنا تظل المسألة الجوهرية هي: هل تُبنى التسوية على إرادة شعب الجنوب، أم يُطلب من إرادة شعب الجنوب أن تتكيف مع تسوية صيغت بعيدًا عنها؟
فالمشروع الذي يريد البقاء لا يحتاج إلى كثرة الكيانات التي تتحدث باسمه، بل إلى شرعية شعبية، ورؤية سياسية واضحة، ومؤسسات قادرة على التعبير عن تطلعات الشعب واستقلال القرار الوطني. وفي نهاية المطاف، فإن أي ترتيبات سياسية لا تحظى بقبول المجتمع الجنوبي ستظل عرضة للسؤال الأكبر: هل هي تعبير عن إرادة الجنوب، أم محاولة لإعادة صياغة الجنوب بما يتوافق مع مصالح الآخرين؟.