هناك لحظة في الحروب يصبح فيها الانتظار أخطر من المعركة نفسها.
والحرب في بلادنا تقترب من هذه اللحظة.
ففي الحد وتعز تشتد المواجهات، وتكثف القوات الحكومية ضرباتها على تعزيزات الحوثيين، بينما تواصل الجماعة الضغط على أكثر من محور. وبعد التصعيد في الساحل الغربي، تبدو تعز اليوم أمام اختبار عسكري جديد، فيما تبقى مأرب والجنوب ضمن حسابات أي تحول في ميزان القوة.
وسط ذلك، يبرز سؤال لا يمكن تأجيله: هل تنتظر القيادة اليمنية والتحالف قرارًا أميركيًا قبل الانتقال إلى مواجهة أوسع؟
إذا كان الجواب نعم، فهذه مخاطرة.
الحوثيون لا ينتظرون واشنطن.
هم يتحركون الآن.
الحوثي لا يمنح خصومه وقتًا
المعركة في يافع و تعز ليست مجرد محاولة للسيطرة على موقع هنا أو جبل هناك. الضغط المتعدد على جبهات المحافظة يستهلك القوات، ويهدد خطوط الإمداد، ويجبر المدافعين على توزيع إمكاناتهم.
وهذه هي النقطة الأهم.
حين يختار الحوثي مكان الهجوم وتوقيته، بينما يكتفي خصومه بالرد، فإنه يحتفظ بالمبادرة.
ولا ينبغي أن تبقى المبادرة في يده طويلًا.
إذا كانت لدى الشرعية والتحالف القدرة على الضغط في أكثر من جبهة، فإن إبقاء هذه الجبهات في حالة انتظار يسمح للحوثيين بتركيز قواتهم حيث يريدون، ونقل التعزيزات من محور إلى آخر بأقل كلفة.
المطلوب ليس فتح جبهات عشوائية، وإنما تحويل تعدد الجبهات من عبء على القوات المناهضة للحوثيين إلى عبء على الحوثيين أنفسهم.
نعم لا ينبغي قراءة ما يجري في تعز والصبيحة وكرش الحد بمعزل عن مأرب والبيضاء والجوف وشبوة والساحل الغربي.
الجبهات مترابطة.
كلما اضطُر الحوثيون إلى نقل قوات إلى تعز والصبيحة والحد، ظهرت فرصة للضغط عليهم في جبهة أخرى. وكلما اشتد الضغط عليهم في الساحل أو مأرب، تقل قدرتهم على تركيز القوة في تعز.
هذه ليست دعوة إلى المغامرة، بل إلى إدارة الحرب باعتبارها مسرحًا واحدًا، لا مجموعة حروب منفصلة.
والسؤال الصحيح ليس: كيف ندافع عن كل جبهة على حدة؟
بل: كيف نمنع الحوثي من التركيز على أي جبهة يريدها؟
مأرب لا تحتمل الانتظار
مأرب ليست جبهة يمكن تأجيلها حتى تتضح نتيجة معركة تعز.
متى ستتحرك الوية قوات الطوارئ اليمنية من سيؤن والريان إلى جبهات القتال؟
اعلموا انه إذا نجح الحوثيون في تثبيت ضغطهم على تعز والحد واستنزاف القوات هناك، فإن مأرب قد تصبح أكثر أهمية في حساباتهم المقبلة.
ولهذا فإن إبقاء مأرب في وضع دفاعي جامد قد يعني ترك الخصم يحدد توقيت الجولة المقبلة.
الضغط المتزامن، متى توافرت له القوة والقدرة، يمكن أن يفرض على الحوثيين توزيع قواتهم بدل حشدها في اتجاه واحد.
وهنا تكمن قيمة المبادرة.
أما عدن، فلا ينبغي انتظار وصول الخطر إلى أبوابها.
إذا كان الضغط على كرش والصبيحة و تعز يرتبط أيضًا بالطرق والممرات المؤدية إلى الجنوب، فإن حماية عدن تبدأ من حماية هذه المسارات.
المدينة لا تُحمى فقط بالدفاع داخلها، وإنما بإبعاد خطوط القتال عنها، وتأمين طرق الإمداد، ومنع تشكل واقع عسكري يسمح للحوثيين بتهديدها من مسافة أقرب.
ولهذا فإن ما يجري في تعز يجب أن يُقرأ في عدن أيضًا.
وماذا تعني التعبئة يا العليمي؟
أُعلنت التعبئة العامة، لكن الاختبار الحقيقي يبدأ بعد الإعلان.
التعبئة ليست بيانًا سياسيًا ولا لجنة جديدة.
هي قوات تتحرك، وإمداد يصل، وقيادة تنسق، ومعلومات تُجمع، وجبهات تعمل ضمن خطة واحدة.
فإذا بقيت التعبئة منفصلة عن حركة الجبهات، فلن تغير كثيرًا في ميزان المعركة.
أما إذا تحولت إلى قدرة عسكرية فعلية، فقد تصبح عنصرًا مهمًا في استعادة المبادرة.
لا تنتظروا ترمب
هنا نصل إلى جوهر المسألة.
لا يوجد ما يثبت أن ترمب حدد 3 نوفمبر موعدًا لأي تدخل عسكري في اليمن، كما أن الموقف الأميركي لا يزال مرتبطًا بحسابات واشنطن ومصالحها.
لذلك فإن التعامل مع 3 نوفمبر باعتباره موعدًا عسكريًا حاسمًا سيكون افتراضًا لا يستند إلى قرار أميركي معلن.
والأخطر أن تتحول هذه الفكرة إلى مبرر للتأخير.
واشنطن لها حساباتها.
أما اليمن فله جبهاته المفتوحة.
قد يأتي الدعم الأميركي، وقد يتأخر، وقد يأتي بصورة مختلفة عما تتوقعه الأطراف اليمنية.
وفي كل الحالات، يجب أن تكون لدى الشرعية والتحالف خطة لا تعتمد على هذا الدعم.
إذا جاء الدعم، استفيدوا منه. وإذا تأخر، لا تتوقفوا بسببه.
الحوثي يحسب بالأيام
الخصم لا ينتظر الانتخابات الأميركية ولا نتائج النقاشات في البيت الأبيض.
هو يحسب بالأيام: موقع يتقدم فيه، طريق يضغط عليه، قوات ينقلها، وجبهة يستنزف فيها خصومه.
ولهذا فإن السؤال الذي يجب أن يشغل العليمي والتحالف ليس: متى يتحرك ترمب؟
بل: ماذا نستطيع أن نفعل نحن الآن؟
إذا كانت هناك قوات وإمكانات يمكن تحريكها، فلماذا تُترك في حالة انتظار؟
وإذا كانت المشكلة في نقص الإمكانات أو التنسيق، فهذه هي الأولوية التي ينبغي معالجتها.
أما انتظار قوة خارجية لتحسم المعركة، فيعني ببساطة ترك الخصم يقرر شكل الحرب حتى يصل الدعم المنتظر.
لا تمنحوا الحوثي هذه الميزة
اليمن لا يحتاج إلى حرب بلا حساب.
يحتاج إلى قرار واضح.
إلى جبهات تُدار ضمن رؤية واحدة، وإلى قدرة على نقل المعركة من الدفاع إلى المبادرة حين تسمح الظروف، وإلى عدم ربط مستقبل الجبهات بموعد أو قرار في عاصمة أخرى.
فإذا كان الحوثيون يضغطون اليوم في تعز، فلا ينبغي أن يكون الرد مجرد انتظار.
وإذا كانوا يعيدون ترتيب قواتهم، فيجب أن يُجبروا على إعادة ترتيبها تحت الضغط، لا في ظل الهدوء.
وإذا كانت مأرب وعدن جزءًا من الحساب، فيجب التعامل معهما قبل أن تفرض المعركة شروطها.
يا عليمي، يا تحالف: لا تراهنوا على ترمب لصد تقدم الحوثي في تعز ومأرب وعدن.
الدعم الخارجي قد يغيّر المعادلة، لكنه لا ينبغي أن يكون شرطًا لاتخاذ القرار.
الحرب في اليمن تجري الآن. ومن ينتظر طويلًا قد يجد أن المعركة التي كان يريد خوضها قد تغيرت شروطها قبل أن يبدأها.