آخر تحديث :الأحد - 01 نوفمبر 2026 - 10:25 م

كتابات


باعوم في ورطة

الأحد - 01 نوفمبر 2026 - 09:39 م بتوقيت عدن

باعوم في ورطة

أحمد الشاعر

‏يعتقد بعض السياسيين أن ذاكرة الشعوب ذاكرة سمكية، تنسى المواقف وتطوي الصفحات سريعًا، لكنهم يكتشفون متأخرين أن الشعوب قد تصمت، لكنها لا تنسى، وأن التحولات السياسية المتكررة لا تصنع زعامة، بل تهدم الثقة وتبدد رصيد أصحابها.


‏وصديقي فادي باعوم يقدم نموذجًا لافتًا لهذه التحولات؛ فقد جرب الركن الإيراني، ثم الركن الإماراتي، واليوم يقف في الركن السعودي، في مشهد يثير أسئلة جدية حول ثبات المواقف والمبادئ السياسية، وحول الثمن الذي يدفعه السياسي حين تتعدد وجهاته بتعدد موازين القوى.


‏لقد حزنت لمشهد محاصرته من قبل شباب في المكلا، وهو يلتفت يمينًا ويسارًا بحثًا عن مخرج. كان المشهد، بصرف النظر عن الاختلاف مع أسلوب التعبير عن الاحتجاج، يحمل رسالة سياسية واضحة من بعض شباب حضرموت: لقد سئمنا التحولات، ولم تعد الشعارات وحدها كافية لاستعادة الثقة. فالشرعية السياسية لا تُمنح بالأسماء والأنساب، ولا تُستعاد بتغيير المظلات، وإنما تُبنى بالمواقف الثابتة والانحياز الصادق لقضايا الناس.


‏إن المشكلة ليست في أن يراجع السياسي مواقفه، فمراجعة المواقف فضيلة حين تفرضها الحقائق، وإنما في أن يتحول من معسكر إلى آخر دون مراجعة واضحة أو تفسير مقنع، وكأن الوطن محطة عبور، والجماهير مجرد أرقام في حسابات النفوذ. هذه التحولات لا تصنع نموذجًا للرجولة الوطنية، ولا تفتح طريقًا للخروج من أزمات البلاد، بل تعمق أزمة الثقة بين السياسة والناس.


‏ولعل ما يواجهه باعوم الابن اليوم يكون درسًا لغيره من السياسيين الذين يظنون أن بإمكانهم تغيير مواقعهم بلا حساب، وأن الشعوب ستظل تصفق لهم كلما غيروا اتجاه البوصلة.


‏وأقولها بوضوح: لا مخرج حقيقيًا من أزمات اليمن إلا بمواجهة جذورها، وفي مقدمتها قضية الجنوب، عبر إنهاء وحدة عام 1990 والعودة إلى دولتين مستقلتين، وفق تسوية سياسية عادلة تضمن حسن الجوار والتعايش السلمي، وتفتح أمام الشعبين طريق الاستقرار والبناء.


‏أما الرهان على تدوير الوجوه وتبديل التحالفات، فلن ينتج إلا مزيدًا من الأزمات. فالأوطان لا تُبنى بالمناورات، والسياسة بلا مبدأ تجارة خاسرة، والتاريخ لا يمنح صكوك البراءة لمن يظن أن ذاكرة الشعوب قصيرة.