آخر تحديث :الأحد - 01 نوفمبر 2026 - 07:21 م

كتابات واقلام


حضرموت وشبوة والمهرة: لماذا لا تريد الرياض أن تُرفع الستار؟

الأحد - 01 نوفمبر 2026 - الساعة 06:27 م

صالح حقروص
بقلم: صالح حقروص - ارشيف الكاتب


الحديث عن حضرموت وشبوة والمهرة ليس حديثاً عن جغرافيا بعيدة، ولا عن ملف سياسي عابر، بل عن ثروة هائلة، ومنفذ بحري طالما راود الرياض، وأسرار يُخشى أن تُكشف. ومن يتابع المشهد الجنوبي بعين باردة، يدرك أن الإصرار السعودي على السيطرة على هذه المحافظات لا يمكن تفسيره بالنفوذ وحده، بل بثلاثة أسباب تتقاطع فيها المصالح والاستراتيجيا وحماية ما هو أخطر من ذلك.

السبب الأول: النفط والغاز… و«خطة المئة عام»

تحتوي حضرموت وشبوة والمهرة على كميات كبيرة من النفط والغاز. والسياسة السعودية تتعامل مع هذه الثروات بمنطق مختلف تماماً: ألا تخرج من باطن الأرض إلا بعد نحو مئة عام، لأنها تشكل منافسة مباشرة للمملكة. فخروج هذه الثروات الهائلة ليس في مصلحة الرياض فحسب، بل إنه قد يجعل من دولة الجنوب العربي دولة قوية جداً، ومواطنها في حال أفضل من مواطن السعودية، وهو أمر غير مرغوب فيه سعودياً. وتأتي وصية مؤسس المملكة لتؤكد هذا التوجه: عدم السماح بحدوث ذلك.

السبب الثاني: المنفذ البحري على البحر العربي

حرصت السعودية منذ فترة طويلة على الحصول على منفذ بحري لها على البحر العربي، إلى أن جاء توقيع اتفاقية الحدود الدولية بين الجمهورية اليمنية وسلطنة عمان في صنعاء بتاريخ 1 أكتوبر 1992م ـ الموافق 3 ربيع الثاني 1413هـ ـ فأطاح بهذا الحلم. غير أن وثائق سرية كُشفت بتاريخ 20/4/1433هـ أظهرت خططاً سعودية قديمة لمد أنبوب لنقل النفط وتصديره عبر البحر العربي، باعتباره هدفاً استراتيجياً رئيسياً، لتجاوز التهديد الذي قد تتعرض له صادرات النفط السعودية عبر مضيق هرمز في حال أغلقت إيران المضيق. ولتأمين نجاح هذا المخطط، دعمت الرياض مشروع استقلال وفصل حضرموت عن الجنوب، مستغلة التطلعات المحلية والفراغ السياسي، في محاولة للسيطرة على الثروات النفطية والغازية الكبيرة في المحافظة، ومنع استقلال الجنوب واستعادة دولته وعاصمتها عدن، وإضعاف الجنوب.

السبب الثالث: إغلاق الستار على النهب والسرقة

شاهد العالم كيف قصف طيران السعودية القوات المسلحة الجنوبية في يناير، وقتلت المئات من جنودها، وأخرجتها من محافظات حضرموت والمهرة بالقوة، بحجة أنها وصلت إلى مناطق حساسة بالنسبة للسعودية. والحقيقة أن نشر القوات المسلحة الجنوبية في حضرموت وشبوة والمهرة كان يفترض أن يتم في عام 2019 بموجب اتفاق الرياض المبرم بين الحكومة الشرعية والمجلس الانتقالي الجنوبي في نوفمبر 2019، وبضمانة سعودية، وكان وجود تلك القوات قانونياً. لكنه كشف عن شبكات تهريب ونهب منظم، وعن عشرات محطات التكرير غير القانونية. وبعد سيطرة القوات الجنوبية عليه، برزت هذه المعطيات بوضوح، ومن أجل منع الكشف عن مزيد من الفضائح والأسرار، تم قصف الطيران السعودي للقوات المسلحة الجنوبية وإخراجها بالقوة من حضرموت والمهرة، لمنع ما هو أكبر من الأسرار وعمليات النهب والسرقة، وحماية المتورطين فيها.

الخاتمة

وهكذا تتكشف الصورة كاملة: ليست المسألة مجرد نفوذ سياسي عابر، بل ثروات تُراد أن تبقى حبيسة، ومنفذ بحري يُبحث عنه طويلاً، وأسرار تُخشى أن تُكشف. وكل محاولة لتغيير هذا الواقع تُقابل بالقوة. تلك هي الحقيقة بكل وضوح؛ ثلاثة أسباب تتقاطع فيها مصالح النفط والغاز، والاستراتيجيا البحرية، وحماية شبكات النهب، لتشكل معاً جوهر الإصرار السعودي على السيطرة على حضرموت وشبوة والمهرة. وحين تصبح الثروة خطراً، والمنفذ حلماً، والسر مكشوفاً، يصبح القصف لغة السياسة… وتلك هي الحقيقة كما أراها.