آخر تحديث :السبت - 04 أبريل 2026 - 09:55 م

ثقافة - أدب - فن


أبكت مستميعها وأثارت العواطف والأشجان : مسعود هجر .. العمل الفني الخالد

السبت - 11 أغسطس 2018 - 12:36 م بتوقيت عدن

أبكت مستميعها وأثارت العواطف والأشجان :   مسعود هجر  .. العمل الفني  الخالد

كتب : فتاح المقطري

الشعوب لا تنسجم الا مع تراثها ؛ هذه حقيقة مألوفة وأنسجام السواد الأعظم من اليمنيين مع تراثهم ومع هذه القصيدة التي قدمها الكثير من كبار الفنانيين اليمنيين للجمهور ؛ لتبقى هذه القصيدة واحده من أجمل ما أبدعة الشاعر الكبير سلطان الصريمي ؛ وبقت حيه في الوجدان في زمن الحرب ؛ سمعت الأغنية على اللسنه الناس قبل ما أسمعها بصوت أمل وعبد الباسط عبسي قديما؛ وتوقفت كثيرا أمام أسوارها
قراءتها مررا وتركت لذاقتي النقدية فك طلاسمها .

ما يشبة الأسطور ة ؛

يتوارد ويتناقل أن أمراءه قدمت الى الشاعر وأخذت تشكوا لها قصة غياب زوجها ومأسة الفقر والضياع وطلبت من الشاعر كتابة قصيدة ؛ فما كان من الشاعر الا أن أشفق لحالها وكتب قصيدة مسعود هجر ؛ وبعيدا عما تداول
على النت حول القصة ؛ فأن القصة لا تبتعد كثيرا عن الواقع فالشاعر يستعين بالخيال ليعالج أو يبوح لواقع ؛ والمآسة هي مأسة تتعدد وليست حصرا على مسعود وزوحته ؛ بدليل نجا ح القصيدة وذيع صيتها وترددها على اللسن جيلا فجيلا ؛ فالغربة الداخلية لا تقل شأن الغربة الخارجية وكانت الغربة زمان قبلة كل مبدع سواء شاعرا أو كاتبا؛ كتب عبد الولي روايته يموتون غرباء ؛ وكتب ابو الاحرار قصائد وكتب أخرين ؛ ولكن لشهرة الشعر وتعارف الناس عليه منذو الأزمان ظل هو السلاح الأقوى ؛ المتعارف عليه؛ بخلاف الوان الابداع الاخرى ؛ الرواية
والمسرحية ؛ ولانه يذاع على السن الفنانين ؛ الشعر يقدم على السن الفنانيين وهذا ما كتب الخلود لمسعود هجر التي نحن في صدد الحديث عنها؛ العنوان:
مسعود هجر هو عنوان القصيدة الغنائية ؛ بكل ما يحمل العنوان من معنى ليترك الشاعر لنا السؤال : هكذا حمل العنوان جملة اسمية ليترك لنا التسائل لماذا هجر ؛
وحيث أن الاسم موافق للمأسة ؛ فدلاله الاسم تدل على انه غني واسمة من السعد وهذا لم يرد عبثا وهكذا جرت العادة بين يكون البطل مخالفا فاذا كانت حياته تعيسة فأن الكاتب يعطية اسم سعد ؛ وهكذا ؛ فمسعود هو واحد ممن تقطعت به السبل القروي البرئي الذي أكتوى وغيرة من عالم المدينة التي لم يستطيع التآقلم مع عالمها وتطويع حيتانها ؛ ليكون ضحيه وتكون مآسة القروي الذي أعتاد حياه البرئة في قريتة بما تحمل من هدوء ومن حديث هاديء ومن دفء ؛ ناهيك عن مابدعه الله من جمال ؛
كمسمار ينزع من خشبه كان أمام مسعود الهجره أو الهجير (تصغير هجرة ) ولم ينعم بزواجة ؛ وعلى لسان الزوجة الحزينة وخطابها لعمتها أنها قطع وعد كما في القصيدة :
لا تحزني ششقي سنه وشرجع

ذلك الوعد الذي قطعه على نفسه لم يفيء به ؛ لانه لم يستطع وللقدر أسباب ؛ وهو الذي بكر مسافر فجر الأثنين ؛ الذي اورده الشاعر عن غيرة من ايام الاسبوع لانه يوم يسافر به القروين الى المدن وهو يوم شائع كيوم الخميس والسبت وعاده ما يكون السفر باكرا
كعاده القروين وهو ثابت يقول الصريمي مفتتحا المآسة وكمن يكتب مقدمة لرواية :
من كثرة المصروف وقله الدين
بكر مسافر فجر يوم الأثنين
وقت الوداع سلم وقال مودع
لا تحزني ششقي سنه وشرجع

في هذا المقطع وهو الأول تيقن المستمع والقاري الى ان مسعود هاجر نتيجة ضيق الحال ؛ نتيجة للقحط الذي اصاب القرية وتوقف السماء عن الأدرار بالقطر ؛ فما كان منه الى الهجير مودعا الزوجة بالقول مودع ؛ يوردها الشاعر لتدل على مدى بساطة مسعود وهي كلمة مألوفة لدى القروين .
في المقطع الثاني من البيت :
يكشف البطل عن مشاعرة المنكسره من ذلك الهجير الذي لا يروقه لولا القتر الشديد والديون التي باتت تسلبه الكرى وغدت هما كجبال القرية وفي لحظه الدفء العابرة تدمع عيناه ويبكي لفراق الزوجة السعيدة والديار والحقول والذكريات والاهازيج ؛ هذا ما يوجع قلب مسعود الذي نعرف عنه انه اول مرة يهاجر الى المدينة ؛ ومع ذلك يبوح على لسان الشاعر بالذكريات الجميلة الحناء المرسوم على أنامل الزوجة الليالي والسمرة ؛ حمره الخد زفه ايوب طارش ومنى علي من مذياع وكاست ؛ الى أخره من مباهج الفرح
والعرس التي باتت ذكره توخز القلب يقول الشاعر في المقطع الثاني:
شفارقك بعد الزواج بأسبوع
العين تدمع والفؤاد موجوع
شتذكر الحناء وحمرة الخد
شتذكر الزفة واليد باليد


حديث الزوجة لعمتها:
في المقطع الثالث يخصص الشاعر مساحة لبوح الزوجة ففي الوقت الذي هاجر فيه مسعود بألامة وأحزانه ؛ ترك للزوجة هموما ومأسي فما كان منها الا ان تبوح لعمتها ؛ بعد ان وصل اليأس الى قلبها بعد صبر ومصابره ؛
بعوده مسعود ؛حينما يعود الجمال من المدينة مساء كل يوم اثنين وخميس ؛
ويرسل الازواج بنقود وهدايا وامتعه ؛ يجعل ذلك حديث الزوجات عند اللقاء في الحقول او عند عيون الماء ؛ فتكون زوجة مسعود حزينه ؛ ولكنها تصبر نفسها وبعد سنوات عديدة تثور وتشكوا الى عمتها ؛ فالقلب الذي يهفو في المساء الى مسعود بات مسكن للدود بكل قباحتها وهذا تضاد بين جمالية قلب ؛ ينبض بالحب ؛ والامل ؛ وبين دود قبيحه المنظر ؛ تلتهم الموتى ؛ يقول الشاعر الصريمي في المقطع :
واليوم لا مكتوب ولا صداره
وعود خلي كلها خسارة
مرت سنيين والقلب مسكن الدود
محد درى اين الحبيب موجود

تستمر الزوجة في البوح والبكاء والشكاء
تكشف عن عفتها وعن ضميرها وعن تمسكها بالقيم الذي دفعها الى العمل في الحقول مع الناس خدامة لاطعام ولدها الصغير وعن الليالي التي مظت والعمر والشباب والبسل ذلك مايسمى بالكلف وشتعل الرأس بالشيب
مااشبه الزوجة براوية الارض ياسلمى ؛
حينما تقترب الماسة لكن سلمى في رواية عبد الولي بخلاف ان سلمى تعمل في ارضها بخلاف زوجة مسعود يقول الشاعر على لسان الزوجة :
وعمتي كيف البصر لحالي
ضاع الشباب وطالت الليالي
قوتي القليل من الشقاء مع الناس
البسل اكل وجهي وشيب الرأس في المقطع الخامس تتوغل الزوجة بالشكاء
وتبوح وهي تعلم ان عمتها مثلها لا حوله لها ولا قوه ولكن ذلك الشكاء يريح القلب ففي الوقت الذي استطاعت ان تتغلب على جوع الجسد وتتمسك بعفتها راضيه بجوعها تتألم على جوع ابنها فالحب الذي تحصل عليه اجر لعملها مع الرعاه واصحاب الارض والذي ادخرته في مواسم العطاء والخير في مدافن ؛ وجرار نفذ وبلهجه اهل الحجرية زلج ؛ وفوق ذلك غزو المرض لجسدها ؛ فمن البكاء رك النظر ؛ والسواعد الايادي التي كانت تدك الدنيا تحمل الماء وتجز الزرع وتبني المدرجات وتقطع الاشجار للاحتطاب جرحت
والصبر نفذ صبر العمل ؛ يقول الشاعر في المقطع :
وعمتي ابني هلك من الجوع
الحب زلج واني مريض مفجوع
رك النظر وجرحوا السواعد
وكم شكن صبري وكم شاجاهد مقدرش عاد اشقي ولا اقدر آساب
ولا اقدر التمهر ولا اطحن الحب
شهرين مريض محد ظهر يراني
يارب سامح الذي بلاني

وصايا وحكم :
في المقطع الاخرين يتحول الخطاب لابنها
ففي الوقت التي تكافح به الحياه ترى ان الموت افضل وتكون هذه عبرة وعظة
(الموت افضل للفقير واسعد )
وما اجمل العودة للاغتراس ومايشبه عودة الى الماظي :
شتذكر الحناء وحمرة الخد
وهو نوع من الوعد ؛ لتنفي بالقول
ابوك نسى الحنا وحمرة الخد
يقول الشاعر على لسان زوجة مسعود :
احرقتني لا تبكي يا محمد
الموت افضل للفقير واسعد
ابوك نسى الحناء وحمرة الخد
واني الوفاء لحدي والموت يشهد

تبوح في المقطع الاخير ورغم المأسة وحجمها وشتات الليالي وضياع العمر وشتعال الرأس بالشيب وضعف البصر والهزل والجوع الا انها تسامح الزوج الذي لا يعلم به الا الله ؛ راضيه بالقدر ؛ وبضياع الشباب ؛ وهي ترى ذاته في عالم من رحلوا او تشد الرحيل ؛ فالوصية تكون قبل الممات .

جمالية القصيدة :
بعد لحضة استعراضية لقصيدة مسعود هجر التي ابكت الملايين وباتت عمل فني خالد ؛ ذلك لتعاطفنا كبشر ؛ او انها قصة لطالما عاشها الكثيرين ممن تقطعت بهم السبل ؛ في السجون ...او الموت غرقا ! ...لذلك لاقت اعجابا غير منقطع النظير ؛ فالقصيدة لخصت في مقاطع قليله عمل ادبي كان يحتاج لمجلدات ؛ .
ومجلدات وفي القصيدة وردت الكلمات ؛الحناء ؛ الزفة ؛ حمرة الخد ؛ اليد باليد
وهي كلمات تدل على مدى الابتهاج الذي لم يستمر بفعل المتواليات ؛ الدين ؛ قله المصروف ؛ الوداع ؛ مودع ؛
ومن عبارات الامل : لا تحزني ؛ شذكر الحناء ؛ خمرة الخد .
ومن عبارات الالم : ضاع الشباب ؛ رك النظر
البسل اكل وجهي ؛ وحرجوا السواعد
ومن كلمات الانكسار والضعف: مقدرش اشقي ؛ ولا اقدر اتمهر .
ومن الجفى لكونها فقيرة : شهرين مريض محد ظهر يراني .
وهكذا.