آخر تحديث :الجمعة - 06 فبراير 2026 - 10:05 م

كتابات واقلام


نحو تسوية سياسية شاملة لإنهاء الحرب في اليمن

الجمعة - 06 فبراير 2026 - الساعة 08:58 م

د. وليد عبدالباري قاسم
بقلم: د. وليد عبدالباري قاسم - ارشيف الكاتب




مقاربة واقعية ومسؤولية مشتركة لاستعادة الدولة والسلام
تشكل الأزمة اليمنية واحدة من أكثر الأزمات تعقيدًا في الإقليم، ليس فقط لطول أمدها، بل لتداخل أبعادها السياسية والعسكرية والإنسانية، وتشابكها مع معادلات إقليمية ودولية متعددة. وقد أثبتت السنوات الماضية بما لا يدع مجالًا للشك أن استمرار الصراع المسلح لا يؤدي إلا إلى تعميق الانقسام، واستنزاف مقدرات الدولة، وتفاقم المعاناة الإنسانية، دون أن يحقق استقرارًا أو حسمًا مستدامًا لأي طرف.
وانطلاقًا من هذه الحقيقة، بات من الضروري الانتقال الجاد من منطق إدارة الصراع إلى منطق إدارة الحل، على أساس تسوية سياسية شاملة تحافظ على وحدة اليمن وسيادته، وتلبي تطلعات شعبه في الأمن والاستقرار والتنمية.

أولًا: وقف شامل ومستدام لإطلاق النار
يمثل التوصل إلى وقف شامل لإطلاق النار حجر الزاوية في أي مسار سياسي جاد. إذ لا يمكن تهيئة بيئة مواتية للحوار في ظل استمرار العمليات العسكرية وعليه، فإن المطلوب:
• التزام غير مشروط من جميع الأطراف بوقف الأعمال القتالية
• إنشاء آلية رقابة دولية محايدة وفعالة
• ضمان فتح الممرات الإنسانية وتسهيل وصول المساعدات دون عوائق
ويجب أن يُنظر إلى وقف إطلاق النار باعتباره التزامًا سياسيًا وأخلاقيًا تجاه الشعب اليمني، وليس مجرد إجراء تكتيكي مؤقت.

ثانيًا: إطلاق عملية سياسية يمنية شاملة
تعد الازمة اليمنية من أكثر الأزمات تعقيداً في المنطقة، نتيجة العوامل السياسية والعسكرية والاقتصادية والإقليمية، وما خلفته من معاناة إنسانية غير مسبوقة. وفي ظل فشل الحلول الجزئية واستمرار حالة الانقسام، يبرز إطلاق عملية سياسية يمنية شاملة باعتبارها المدخل الواقعي والوحيد لإنهاء الصراع واستعادة الدولة وبناء سلام دائم.
إن استمرار الأزمة دون أفق سياسي واضح يهدد وحدة اليمن ومستقبله، ويبقى البلاد رهينة للعنف والتدخلات الخارجية. ومن هنا تأتي أهمية عملية سياسية شاملة يقودها اليمنيون أنفسهم وتعالج جذور الصراع، لا مظاهره فقط، وتؤسس لشراكة وطنية حقيقية تقوم على التوافق لا الإقصاء.
ترتكز العملية السياسية الشاملة على عدد من المبادئ الأساسية ومن أبرزها:
• وقف شامل ومستدام لإطلاق النار في كافة الأراضي اليمنية
• احترام سيادة اليمن ووحدته وسلامة أراضيه
• نبذ العنف واعتماد الحوار وسيلة وحيدة لحل الخلافات
• شمولية التمثيل السياسي والاجتماعي دون إقصاء لأي طرف
• الالتزام بمخرجات التوافقات الوطنية السابقة بما يخدم الواقع الراهن
وتشمل مكونات العملية السياسية الشاملة التالي:
• حوار وطني جامع يضم القوى السياسية والمكونات الاجتماعية والمرأة والشباب والمجتمع المدني
• ترتيبات انتقالية واضحة تضمن تقاسماً عادلاً للسلطة وإدارة المرحلة الانتقالية
• مسار للعدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية لمعالجة آثار الصراع
• إصلاحات دستورية وقانونية تضمن دولة المواطنة المتساوية
• توحيد المؤسسات المدنية والعسكرية والأمنية

فالتسوية السياسية الحقيقية تقوم على الاعتراف المتبادل، واحترام التعدد، وبناء توافقات وطنية تحصّن مستقبل الدولة.

ثالثًا: تحييد اليمن عن صراعات المحاور الإقليمية
يتمتع اليمن بموقع جغرافي واستراتيجي بالغ الأهمية، ما جعله محل اهتمام وتنافس بين قوى إقليمية متعددة. وقد أسهم هذا التنافس في تدويل الصراع اليمني، وتحويله من أزمة وطنية قابلة للحل الداخلي إلى صراع مركب تتداخل فيه الاجندات الإقليمية وتستخدم فيه الأطراف المحلية كأدوات نفوذ. فتحييد اليمن يعني إبعاده عن سياسة المحاور والاستقطابات الإقليمية، وعدم استخدام أراضيه أو قراره السيادي في صراعات الآخرين، مع الحفاظ على علاقات متوازنة قائمة على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل مع جميع دول الجوار والإقليم. وهو لا يعني العزلة، بل انتهاج سياسة خارجية مستقلة ومتزنة.
يعد تحييد اليمن عن صراعات المحاور الإقليمية أحد أهم المتطلبات الأساسية لاستعادة الاستقرار وبناء السلام المستدام، في ظل ما شهدته البلاد من تحول الصراع الداخلي إلى ساحة لتقاطع المصالح الإقليمية والدولية، الامر الذي عمق الأزمة وأطال أمد الحرب، وفاقم المعاناة الإنسانية والاقتصادية.
لقد أسهمت التدخلات الخارجية وتضارب الأجندات الإقليمية في تعقيد المشهد اليمني وإطالة أمد الصراع ، ومن ثم فإن إنجاح أي تسوية سياسية يتطلب التزامًا إقليميًا ودوليًا واضحًا بدعم المسار السياسي واحترام سيادة اليمن ووحدته الوطنية والامتناع عن توظيف الأزمة اليمنية في صراعات إقليمية أوسع.
يتطلب تحييد اليمن التزاماً صادقاً من القوى الإقليمية باحترام سيادته ووحدته، والانتقال من منطق الصراع بالوكالة إلى منطق الشراكة في دعم السلام. كما يبرز دور المجتمع الدولي في توفير الضمانات السياسية والاقتصادية اللازمة لإنجاح هذا المسار،
فاستقرار اليمن يشكل مصلحة مشتركة للمنطقة بأسرها، وليس عبئًا سياسيًا على أحد.

رابعًا: المعالجة المتكاملة للأوضاع الإنسانية والاقتصادية
تعاني اليمن واحدة من أعقد الأزمات الإنسانية والاقتصادية في العالم، نتيجة سنوات طويلة من الصراع المسلح، وتدهور مؤسسات الدولة، وانقسام السلطة، وتراجع النشاط الاقتصادي. ولمواجهة هذه الأزمة المركبة، لم يعد كافياً اعتماد حلول جزئية أو إسعافية كما هو الحال اليوم للأسف، بل تبرز الحاجة إلى معالجات متكاملة وشاملة تربط بين البعد الإنساني والتعافي الاقتصادي والتنمية المستدامة، والتي تحدث عنها بوضوح كامل في مقالة سابقة بعنوان (الاقتصاد الأزرق) نشرت في صحيفة (عدن تايم) حيث لا يمكن لأي عملية سلام أن تنجح دون معالجة جذور الأزمة الاقتصادية والإنسانية ،ويشمل ذلك:
• توحيد المؤسسات المالية والنقدية
• ضمان صرف الرواتب وتحسين مستوى الخدمات الأساسية
• إطلاق برنامج وطني لإعادة الإعمار بدعم إقليمي ودولي
• تمكين الاقتصاد المحلي وخلق فرص عمل مستدامة

خامسًا: العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية
تعد العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية من الركائز الاساسية لأي عملية سلام مستدامة في اليمن، بعد سنوات طويلة من الصراع الذي خلف انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، وانقسامات سياسية واجتماعية عميقة، وأضراراً واسعة في مؤسسات الدولة والنسيج المجتمعي.
مفهوم العدالة الانتقالية
العدالة الانتقالية هي مجموعة من الاليات القضائية وغير القضائية التي تعتمدها الدول الخارجة من النزاعات أو الانظمة القمعية لمعالجات إرث الانتهاكات، وتحقيق المساءلة وإنصاف الضحايا وضمان عدم تكرار ماحدث، إن بناء سلام مستدام يتطلب معالجة آثار الصراع، لا تجاهلها، ومن هنا تبرز أهمية:
• اعتماد آلية وطنية للعدالة الانتقالية
• كشف الحقيقة والمحاسبة القانونية
• إنصاف الضحايا وجبر الضرر
• تعزيز المصالحة الوطنية على أسس قانونية وأخلاقية

إن تحقيق العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية في اليمن ليس خياراً ثانوياً، بل هو المدخل الحقيقي لبناء دولة القانون والمواطنة المتساوية، ووضع أسس متينة لسلام دائم، يعالج جذور الصراع، ويصون كرامة الإنسان، ويحفظ وحدة الوطن ومستقبلة، فالعدالة ليست أداة للانتقام، بل وسيلة لمنع تكرار الصراع وترسيخ دولة القانون.

الخاتمة
تواجه العملية السياسية تحديات عديدة، أبرزها انعدام الثقة بين الأطراف وانتشار السلاح وتعدد مراكز النفوذ، غير أن تجاوز هذه التحديات ممكن عبر إجراءات بناء الثقة وتدرج الحلول وضمانات واضحة للتنفيذ وإرادة سياسية صادقة تضع مصلحة اليمن فوق كل اعتبار.
يتطلب نجاح العملية السياسية دعماً إقليمياً ودولياً منسقاً، يقوم على تسهيل الحوار لا فرض الحلول، واحترام الإرادة اليمنية وتقديم الضمانات اللازمة لتنفيذ الاتفاقات، إلى جانب دعم جهود إعادة الإعمار والتعافي الاقتصادي.
إن إنهاء الحرب في اليمن لم يعد خيارًا سياسيًا مؤجلًا، بل ضرورة وطنية وإنسانية ملحّة. ويتطلب ذلك إرادة سياسية صادقة، وشجاعة في اتخاذ القرارات، واستعدادًا لتقديم التنازلات المتبادلة من أجل المصلحة العليا للوطن، فالسلام، مهما بلغت كلفته السياسية، يظل أقل كلفة من استمرار الحرب، وأكثر وفاءً لتضحيات الشعب اليمني وحقه المشروع في دولة مستقرة وآمنة.
اليمن يستحق سلامًا عادلًا… ودولة قادرة على استعادة دورها ومكانتها.

أ. د. وليد عبدالباري قاسم صالح
أستاذ العلاقات الدولية والسياسة الخارجية المشارك
كلية المجتمع/ عدن