آخر تحديث :الثلاثاء - 24 فبراير 2026 - 06:52 م

كتابات واقلام


التمدد السعودي عبر التيار السلفي… قراءة في التجربة وانعكاسها على الجنوب

الثلاثاء - 24 فبراير 2026 - الساعة 05:05 م

ياسر اليافعي
بقلم: ياسر اليافعي - ارشيف الكاتب


إذا أردنا أن نفهم ما يحدث اليوم في الجنوب بوضوح، فعلينا أن نقرأه كمسار طويل المدى لا كحدث عابر. وقبل أي شيء، للتوضيح والتطمين: أنا لست ضد التيار السلفي، بل أراه جزءًا مهمًا من حياة الناس في الجنوب، وكان وما يزال له دور كبير في حماية الجنوب أرضًا وإنسانًا، وقدّم تضحيات مع بقية القوى في مواجهة الإرهاب والفوضى. الحديث هنا ليس عن الدين ولا عن التيارات الدينية كجزء من نسيج المجتمع، بل عن توظيفها سياسيًا كأداة نفوذ.

السعودية تاريخيًا لم تبنِ نفوذها فقط بالقوة، بل بمعادلة واضحة: سلطة سياسية يقودها آل سعود، وغطاء ديني يمنحها الشرعية عبر آل الشيخ. هذا التحالف حوّل الدين إلى أداة لتثبيت الحكم وتوسيع النفوذ. واليوم تُحاول السعودية إعادة إنتاج المنطق نفسه خارج حدودها، وتحديدًا في جنوب اليمن، عبر استخدام تيارات دينية كواجهة لمرحلة سياسية جديدة تُدار فيها الأرض والقرار من الخارج، لا وفق إرادة الجنوبيين ومصالحهم الوطنية.

الأخطر في هذا المسار ليس عنوانه فقط، بل كلفته على الشعب. لأنه مسار يحتاج وقتًا طويلًا لتنفيذه، وهذا يعني عمليًا استمرار إنهاك المجتمع وإضعافه وتفكيكه عامًا بعد عام، وإطالة حالة اللايقين والفراغ السياسي، وتعطيل التنمية وفرص الحياة الكريمة. ومع طول الزمن، تصبح الخسارة مضاعفة: أجيال كاملة ستستهلك أعمارها في الانتظار دون أن ترى بصيص أمل في مستقبل أفضل، بينما تُدار حياتها على منطق “الضبط والسيطرة” بدل منطق “الشراكة والبناء”.

وهنا يأتي السؤال الذي يجب أن يُقال بصراحة: لماذا كل هذا الالتفاف والغموض؟ لماذا لا يكون الطرح واضحًا والاتفاق صريحًا أمام الناس؟ إذا كانت السعودية ترى مصالحها في الجنوب، والجنوب يرى مصالحه في علاقة مع السعودية، فلماذا لا تُبنى العلاقة على شراكة استراتيجية قائمة على التكامل لا على الوصاية؟ علاقة تقوم على احترام الإرادة المحلية، وتمكين الجنوبيين من قرارهم، وتحديد الالتزامات بشكل شفاف: أمنٌ يحمي الجميع، اقتصادٌ ينهض بالناس، تنميةٌ تُقاس بنتائج على الأرض، ومصالحٌ متبادلة لا تُدار عبر أدوات تفتيت ولا عبر تغذية الانقسامات.

الوضوح لا يضر أحدًا… الذي يضر هو إدارة مشروع بهذا الحجم بالعناوين الفضفاضة وبالأبواب الخلفية. لأن الغموض يخلق خوفًا، والخوف يخلق احتقانًا، والاحتقان يفتح الباب للفوضى وللقوى المتطرفة ولتصفية الحسابات. الجنوب لا يحتاج مزيدًا من التجارب المؤلمة، ولا يحتمل أن يُدار كملف قابل للتجريب. ما يحتاجه الجنوب اليوم هو احترام وشفافية وشراكة حقيقية، تُخرج الناس من دائرة الاستنزاف إلى طريق الدولة والاستقرار والمستقبل.

#ياسر_اليافعي