آخر تحديث :الأحد - 17 مايو 2026 - 12:45 ص

ثقافة - أدب - فن


رحلة كتاب في وطنٍ لا تصل فيه المواعيد

الأحد - 17 مايو 2026 - 12:43 ص بتوقيت عدن

رحلة كتاب في وطنٍ لا تصل فيه المواعيد

علي محمد سيقلي

الحكاية بدأت بريئة جدًا، كأي مشروع صغير نحمله بحماس ثم نكتشف أننا نعيش في بلد يستطيع فيه انقطاع الكهرباء أن يؤجل حتى المشاعر.

الصديق العزيز إلى قلبي الأستاذ محمد محسن العمري “أبو كمال”، كلفني بمهمة وطنية ثقافية من الطراز الرفيع:

تسليم الدكتور والشاعر سعيد با يونس نسخة هدية من كتاب قام العمري بترجمته إلى العربية بعنوان:

"عدن تحت الاحتلال البريطاني"

لكن يبدو أن الكتاب نفسه قرر أن يعيش مضمون عنوانه عمليًا. فقبل أن يصل إلينا، مرّ برحلة احتلال حديثة من نوع آخر، وتحت مسمى الابتزاز المقنن.

فالكتاب، هو الآخر، نجا من براثن الشاحن بأعجوبة، بعد أن ظل العمري يدفع ضريبة الصبر أشهرا من العذاب النفسي، يلاحق الوعود كما يلاحق المواطن ساعات الكهرباء.


كل يوم اتصال، وكل أسبوع “بكرة توصل”، وكل شهر عذر جديد، حتى صار الكتاب وكأنه رهينة تفاوض دولي، لا مجرد نسخة مطبوعة.

وفي النهاية، لم يصل الكتاب لأنه شُحن بطريقة احترافية، بل لأنه تعب من الانتظار وقرر الهروب بنفسه.

وهذا هو حالنا في هذا الزمن العجيب…

زمن لا يؤمن لا بالوقت، ولا بالجهد، ولا حتى بالعقود المبرمة بين المتعاقدين.

توقّع عقدًا اليوم، ثم تعامل معه غدًا كأنه منشور عاطفي كتب تحت تأثير حماس الخمر.

المهم… بعد أن خرج الكتاب حيًا من رحلة الشحن، بدأت رحلته الثانية معي أنا شخصيًا.

قلنا نلتقي الجمعة.

فهربت الجمعة كما تهرب الوعود الانتخابية بعد إعلان النتائج.

قلنا إذًا السبت.

فاختفى السبت في ظروف غامضة، ويُعتقد حتى اللحظة أنه انضم إلى ملفات الخدمات الضائعة والكهرباء المفقودة منذ سنوات.

ثم جاءت رسالة أخي وصديقي سعيد با يونس التاريخية، التي تستحق أن تُدرّس في مادة “فلسفة المواعيد في اليمن”، قال فيها: “يبدو أن الأحد المسيحي سيجمعنا في النقابة، بعد أن فشلت الجمعة المسلمة والسبت اليهودي”.

وهنا أدركت أننا لا نحاول تسليم كتاب، بل ندير مؤتمر حوار أديان برعاية التقويم الميلادي والهجري معًا.

أجبته فورًا: “حياك في أي وقت، الأحد بانتظاركم في الكنيسة، منها نصلي تقربًا، ومنها ننال أجر الكتاب”.

ومن يومها، وأنا مقتنع أن المواطن في هذا البلد لا يحتاج إلى ساعة يد، بل إلى وسيط أممي ينسق له موعدًا ناجحًا.

تخيلوا فقط…


كتاب عن عدن تحت الاحتلال البريطاني، عالق هو الآخر تحت احتلال المواعيد المؤجلة!

حتى الثقافة عندنا لم تعد تسير على الأقدام، بل على الوعود: “غدًا إن شاء الله”،

“بعد المغرب أكيد”،

“خلّها الأسبوع الجاي”،

ثم يدخل المشروع في غيبوبة إدارية قد تمتد حتى إشعار آخر.

في الدول الطبيعية، الكتاب ينتقل من يد إلى يد خلال دقائق.

أما هنا، فالكتاب يخوض رحلة كفاح طويلة، تبدأ من المترجم، ثم الشاحن، ثم الوسيط، ثم ظرف طارئ، ثم انقطاع كهرباء، ثم اعتذار، ثم إعادة جدولة، ثم اجتماع مفاجئ، ثم رسالة يقول فيها أحدهم: “سامحني يا قلب، الظروف أقوى منا”.

وأقسم أنني بدأت أشعر أن النسخة نفسها صارت تملك مشاعر، وتفكر بالعودة إلى رف المكتبة وهي تقول: “اتركوني هنا في أم الدنيا أكرم لي”.

لكن رغم كل هذا العبث، تبقى أجمل ما في الحكاية تلك الروح التي تجعلنا نحول التأجيل إلى ضحكة، والفوضى إلى نكتة، والعجز إلى أدب ساخر قابل للنشر والتداول.

فنحن يا سادة، شعب إذا تعثرت حياته… كتب عنها مقالًا، وضحك، ثم أجّل بقية أحزانه إلى الأسبوع القادم.