آخر تحديث :السبت - 16 مايو 2026 - 10:15 م

كتابات واقلام


حين نصفق لمن يسلبنا…!

السبت - 16 مايو 2026 - الساعة 09:44 م

عارف ناجي علي
بقلم: عارف ناجي علي - ارشيف الكاتب


لم تعد المشكلة في الفقر وحده ولا في تدهور الخدمات ولا حتى في تاخر الرواتب… بل في اعتياد الناس على هذا الواقع حد انهم باتوا يشكرون من يسلبهم حقوقهم.

نحن اليوم لا نعيش ازمة موارد بل ازمة ادارة ووعي فالمواطن الذي ينتظر راتبه لأشهر ثم يصرف له جزء منه يشعر بالفرح وكانه منحة لا حق.
المواطن الذي يعيش انقطاع الكهرباء لساعات طويلة ثم تعود لساعات معدودة يفرح وكانها إنجاز.
الماء الذي يفترض ان يكون متدفقا يوميا ياتي بعد اسبوع فنستقبله بالرضا!

كيف وصلنا إلى هذه المرحلة؟

حين تتحول الحقوق إلى مكرمات وحين يعاد تقديم الواجبات الأساسية على انها إنجازات نكون قد دخلنا في اخطر مراحل التدهور وهي مرحلة تزييف الوعي.

الحكومات التي تعجز عن توفير الحد الأدنى من الخدمات ثم تجيد تسويق القليل على أنه كثير لا تستمر الا في بيئة اعتادت التكيف مع الحرمان ومع كل مرة نشكر فيها على جزء من حقنا فإننا نمنح الفاسدين مبررا للاستمرار بل ونشجعهم على التمادي.

المشكلة لا تقف عند الرواتب اوالخدمات بل تتجاوز ذلك الى قرارات خطيرة تمس حاضر الناس ومستقبلهم.

نرى اليوم توجها نحو افراغ بعض المعسكرات من داخل المدن وهو قرار في ظاهره ايجابي لكن في باطنه يثير تساؤلات كبيرة حين يقترن بتكديس السلاح في مواقع اخرى دون وضوح في الاستراتيجية او الضمانات.

هل نحن امام اعادة تنظيم حقيقية ام مجرد اعادة توزيع للخطر؟

وفي جانب اخر تعلن مشاريع توضع لها اساسات وتصرف لها ميزانيات ثم تختفي مع الزمن دون اثر يذكر،مشاريع تبدا بلا دراسات واضحة وتنتهي بلا محاسبة لا احد يعرف كم كلفت ولا لماذا توقفت ولا من المسؤول عنها.

هذه الفوضى في القرار وهذا الغموض في ادارة المال العام لا يمكن فصلهما عن واقع المواطن الذي يطلب منه ان يصبر وان يرضى وان يشكر.

لكن الى متى؟

ان اخطر ما يمكن ان نصل اليه ليس الفقر بل القبول به كأمر طبيعي وليس الفساد بل التعايش معه كقدر محتوم.

ما لم يدرك الناس ان ما يحصلون عليه هو حق اصيل وليس هبة وما لم تتحول ثقافة الشكر الى ثقافة مساءلة فإن المشهد لن يتغير بل سيزداد سوءا وستتسع الفجوة بين من يملكون كل شيء ومن لا يملكون حتى حق السؤال.

نحن لا نحتاج الى المزيد من الوعود بل الى وضوح في السياسات وعدالة في التوزيع ومحاسبة حقيقية لكل من عبث بحقوق الناس.

فالوطن لا يبنى بالتصفيق..ولا تصان كرامة المواطن بالشكر على ما سلب منه.