آخر تحديث :الأربعاء - 25 فبراير 2026 - 03:33 ص

كتابات واقلام


سرديّة الغدر الممنهج.. كيف تروّض الرياض الجنوب بالوعود وتخنقه بالقيود؟

الأربعاء - 25 فبراير 2026 - الساعة 02:28 ص

محمد علي محمد احمد
بقلم: محمد علي محمد احمد - ارشيف الكاتب


نضطر أحياناً لمجاراة "موضة" المصطلحات السياسية لا إعجاباً ببريقها، بل لكشف الزيف الكامن خلف أقنعتها، ومن هنا، أجدني مدفوعاً لاستخدام مفردة (السرديَّة)؛ تلك "التقليعة" اللغوية التي باتت تضج بها وسائل الإعلام التابعة للقوى التوسعية المتسلطة.

​إن هذا الاستخدام المفرط والممنهج لمصطلح "السرديَّة" ليس عبثاً، بل هو محاولة "أكاديمية" ذكية لتقديم الخزعبلات والروايات المفصلة كحقائق علمية لا تقبل الجدل، إنها طريقة حديثة لاستغفال الرأي العام وتخديره، وتحويل الجرائم والانتهاكات بحق الإنسانية والقضايا العادلة إلى "قصص محبوكة" باحترافية، يُراد لنا أن نُصدّقها ونُبصم عليها.
لذا، سأستخدم مصطلحهم هذا ، ليس اعترافاً بقدسيّته، بل لتفكيك تلك المسرحيات الهزلية التي تُحاك ضد الجنوب أرضاً وإنساناً، ولنكشف كيف يُصنع "الوهم" تحت مسميات برَّاقة.

و​لا يمكن فهم السياسة السعودية في جنوب اليمن إلا من خلال منطق "التناقض الممنهج" الذي تتَّبعه، فهي تَدعم عسكرياً لتكسب حليفاً في الميدان، ثم تقصف نفس الحليف حين يرفع راية النصر الوطني، إنها سردية "هوليوودية" بامتياز، تتبدل فيها الأدوار والمسميات حسب حاجة المخرج، لا حسب استحقاقات الشعوب.

كما تتجَّلى ذروة الهزل السياسي في تعامل الرياض مع الجنوب (المجلس الانتقالي الجنوبي وقواته المسلحة)، ففي حين كانت السعودية جزءاً من هندسة "مجلس القيادة الرئاسي" الذي منح الانتقالي صبغة حكومية رسمية، نجدها تنقلب على هذا المنطق فور تحرك هذه القوات لتأمين حضرموت والمهرة، وهنا، تتحول القوات "الحكومية" في لحظة إلى قواتٍ معادية، وأهداف مشروعة للطائرات الحربية، وتتحول "الشراكة" إلى "خيانة" في قاموس السرديّة السعودية التي لا تعترف بالسيادة إلا إذا كانت تحت عباءة الوصاية.

ولأن السرديّة تتطلب إخراجاً مبهراً، لجأت الرياض إلى ابتكار "حوار جنوبي- جنوبي" على مقاس أجندتها، وبسرعة جنونية تتجاوز المنطق الزمني، لتقفز من التهديد وإجبار بعض أعضاء المجلس الانتقالي الجنوبي الذين حَلُّوا ضيوفاً على أرضها لـ حَل مجلسهم علناً ، إلى رعاية حوار يُرفع فيه العلم الجنوبي ويُعزف فيه النشيد الجنوبي!

​و كل هذا الاستعراض ليس اعترافاً بالحق الجنوبي، بل هو محاولة لـ "سرقة الرموز"، وإقناع الإنسان الجنوبي بأن الرياض هي "راعية القضية الجنوبية العادلة "، بينما على الأرض تقوم بإغلاق المقرات، وحملات الاعتقالات، وتفريخ كيانات بديلة، وفرض قوات تدين بالولاء لـ "الكفيل" لا للوطن.

ومالضربات الجوية التي استهدفت القوات الجنوبية وهي في مهمة رسمية وتحت أنظار التحالف إلا دليل قاطع على أن السرديَّة السعودية لم تعد تنطلي على أحد، إنها سياسة "تكسير الأجنحة"؛ فالمطلوب سعودياً من الجنوب أن يكون "تابع مكسور" لا "حليف قوي".

إن ما تمارسه السعودية اليوم هو محاولة لطمس الجريمة عبر تلميع "الوسائل"، يرفعون العلم الجنوبي في قاعات الفنادق بالرياض، بينما يستنكرون ويمنعون رفعه فوق المؤسسات السيادية في عدن والمكلا وشبوة وسقطرى والمهرة وبقية المحافظات والمديريات الجنوبية، إنها سردية ظاهرها "اللحمة الجنوبية" وباطنها "التمزيق والتبعية".

لكن مع كل تلك الضغوط وحجم الإمكانيات المهولة التي سُخَّرت لوأد القضية الجنوبية أو حرف مسارها الذي حدده شعبها كمصير لا يقبل التغيير، إلا أن ثقتنا بالله ثم بـ الوعي الجنوبي الذي صمد أمام آلات القمع، لن تسقطه اليوم "سرديات هوليوودية" تبيع الوهم تحت غطاء المساعدات (الإنسانية) أو اللعب بالملفات (الخدمية) أو عبر الوساطات (الشيطانية).