آخر تحديث :الأربعاء - 29 أبريل 2026 - 09:52 ص

كتابات واقلام


الثورجية الجنوبية

الأربعاء - 29 أبريل 2026 - الساعة 09:30 ص

احمد حرمل
بقلم: احمد حرمل - ارشيف الكاتب


حين تتداخل القضية الوطنية بالمشاريع الشخصية، ويختزل النضال من اجلها في صراع على الكراسي، يصبح السؤال الأصعب: هل نحن أمام نضال وطني من اجل الجنوب ام نضال غير وطني على الجنوب أم أمام مسرحية تكرر نفسها بتقاسيم جديدة؟ وحرصنا منا على وحدة الصف الجنوبي نحاول في هذا المقال الاسهام وبشكل متواضع فهم طلاسم الثورجية الجنوبية كظاهرة تستحق الوقوف عندها، بعيداً عن المزايدات والشعارات البراقة.

قبل حرب 2015، عاش الجنوب حالةً من التناسل المكوناتي شبه اليومي، حيث كان كل يوم يمرّ حاملاً خبر ميلاد "مكون" جديد يدّعي تمثيل الجنوب بعضها كان ممولا من النظام الذي نجح في اختراق الحراك والبعض الاخر كان هدفها الاستحواذ على دعم المغتربين والقلة منها كان دافع بعض قيادتها وطني .

لكن الأدهى والأمرّ أن هذه الظاهرة عادت إلى الواجهة من جديد، وإن كان المحرك هذه المرة ثلاثي الابعاد .. المال .. السلطة .. تفتيت المفتت.

اليوم، نسمع عن عودة مكونات كانت قد ذابت تماماً في المجلس الانتقالي ، وعن مكونات جديدة كلياً تم هندستها على يد قيادات خرجت من عباءة الانتقالي نفسه وسبقها بسنوات اشهار مكونات قبلية في بعض المحافظات .

كل هذه المكونات، وللأسف الشديد، تتحدث باسم القضية الجنوبية، وكل واحدة تدّعي أنها الأحرص على الجنوب من غيرها، وكلها ترفع ذات الشعار البراق: "استعادة دولة الجنوب إلى ما قبل 22 مايو 1990".

لكن خلف هذا الشعار، يتحرك دافع مادي وسلطوي ، وصراع خفي على من سيحكم ومن سيحصل على المغانم.

في كثير من الأحيان، حين ينشأ نضال حقيقي لتحرير وطن مسلوب، تبرز هذه الجماعات والمكونات التي ترفع شعار استعادة الدولة، لكنها سرعان ما تنخرط في صراع مبكر على الحكم.

هذا الصراع البيني يحرف بوصلة النضال، ويحوّل المعركة من مواجهة العدو إلى تناحر داخلي حول من يمسك بمقاليد الحكم مستقبلاً.

خطورة هذا على الجبهة الداخلية تتمثل في تفكيك النسيج الوطني، وإضعاف القدرة على الصمود، وفتح باب ثمين لخصوم القضية الجنوبية لاستغلال الانقسامات وضرب الثقة بين أبناء الجنوب.

جبهة داخلية تفقد بوصلتها سرعان ما تتحول إلى ساحة صراع تنهك الطاقات وتبدد الإنجازات.

وهذا كله يعكس بوضوح اختزال المراحل، وهو نتيجة مباشرة لغياب رؤية استراتيجية واضحة.

فمن لا يملك مشروعا وطنيا يوحد الناس لمواجهة تحديات الحاضر ويرسم معالم الستقبل ويكون مؤمنا ايمان حقيقيا بوطنية مشروعه وحتمية انتصاره ويخلص من اجله ، يقع فريسة التسرع غير المحسوب، فيتحول صراعه مع الخصوم إلى صراع على الكراسي قبل أن تُرفع راية النصر.

والأخطر أن بعض هذه المكونات التي تدّعي الثورية تُدار بعقلية سلطوية، ترفع شعار الحرية وتمارس الديكتاتورية داخلياً.

تخضع قراراتها لمنطق الإقصاء والتهميش وتسعى لتفصيل الجنوب على مقاسها ، فتبتعد عن جوهر النضال وتتحول إلى نسخة طبق الأصل من ثقافة الاستبداد التي تحاربها باسم الثورية.
وهذا الانحراف هو أحد أهم أسباب فشلها في بناء أي تحالف وطني حقيقي.

استعادة دولة الجنوب لا تمر عبر تكاثر المكونات وتضارب الشعارات، ولا عبر صراع على من يحكم قبل أن يُرفع العلم.

استعادة الجنوب تتطلب أولاً بناء جبهة داخلية موحدة، ووضع القضية فوق أي طموح شخصي أو مادي، ورؤية تنطلق من تحرير الوطن، لا من اقتسام كراسيه قبل أن يقوم.

في الاخير ، لا يمكن اختزال قضية الجنوب العادلة في صراعات مفتعلة على من يقود المرحلة الحالية ومن بقود دولة القادمة المفترضة قبل أن ترى النور أصلاً.

الثورجية الجنوبية، بمكوناتها المتكاثرة وشعاراتها البراقة، ليست إلا انعكاساً لأزمة أعمق: أزمة ثقة في المشروع الوطني، وأزمة رؤية استراتيجية، وأزمة قيادة تخلت عن جوهر النضال لصالح المغانم الآنية.

ما يحدث اليوم على الساحة الجنوبية، من تناسل مكوناتي وعودة أطياف ذابت ثم هندست من جديد، ليس خدمة للقضية بل خدمة لأجندة التفتيت التي يستفيد منها الخصوم قبل الأصدقاء.
الجبهة الداخلية المنشطرة لا يمكنها أن تواجه تحديات جسيمة ، ناهيك عن بناء دولة.

إن كنا جادين في استعادة دولة الجنوب، فعلينا أولاً استعادة معاييرنا: من يخدم القضية يقاس بأفعاله لا بشعاراته، ومن يريد الحكم فليثبت أهليته بالتلاحم لا بالتشرذم، ومن يدّعي الثورية فليبدأ بتطبيق الحرية داخل مكونه قبل أن يطلبها للوطن.

أما الاستمرار في هذه المهزلة المكوناتية، فمعناه أننا نؤجل النصر إلى أجل غير مسمى، ونحوّل أحلام شعب بأكمله إلى سلعة يتاجر بها أصحاب المشاريع الشخصية.
الجنوب أكبر من كل هؤلاء، وقضيته أقدَر من أن تُختزل في صراع على كرسي لم يُرفع علم النصر عليه بعد.