آخر تحديث :الإثنين - 01 يونيو 2026 - 04:06 م

كتابات واقلام


الجنوب: من شرعية الأرض إلى شرعية الاعتراف

الإثنين - 01 يونيو 2026 - الساعة 03:27 م

د.أمين العلياني
بقلم: د.أمين العلياني - ارشيف الكاتب


لكل شعبٍ لحظتُه الفارقة في مسيرة التاريخ، تلك اللحظة التي ينتفض فيها الوعي الجمعيُّ من سباته، فيرى ذاتَه في مرآة الحقيقة، ويدرك أن ما سُلِب منه لم يُسلَب لعجزٍ فيه، بل لظلمٍ حلَّ به؛ فينهض من تحت الركام، وينفض عن كاهله غبار الوصاية، ويُعلن للعالم كله أن شرعيةً خرجت من رحم معاناة طويلة، وتشكلت في بوتقة التضحيات الجسام، وترعرعت في ظلال الدماء التي روت الأرض شبرًا شبرًا، متكئةً على إرثٍ نضاليٍّ ممتدٍّ منذ العام 1994م، يوم غُدِر بالجنوب ودولته، ويوم ظن الظانّون أن قضية شعب الجنوب قد طُوِيت، وأن الشعب قد استكان، وأن الأرض قد نسيت أبناءها؛ لكن الأرض لا تنسى، والشعوب لا تموت، والشرعية الحقة لا تُصنع في غرف المناصفة المغلقة، بل تولد في الميادين، وتُرضَع من ثدي التضحية، وتشبُّ على ساعد الإرادة.

في زمنٍ تتقاطع فيه المصالح وتضطرب فيه المفاهيم، يخرج علينا الهاربون يعرِّفون الشرعية بصوت الوصاية، فيتخذون منها غطاءً لقرارات لا تمتُّ إلى الحقيقة بصلة. تلك الشرعية التي فقدت قانونيتها، وتعرَّت من مشروعيتها، وأضحت أداةً في يد من لا يملك من أمر نفسه شيئًا؛ فكيف يملك أن يمنحها لغيره؟ إنها شرعية تتخذ من قراراتها وسيلةً لإقصاء الحقائق، ولطمس معالم المشروع التحرري، ولإيهام العالم أن في قضية شعب الجنوب «مظلومية سلطة وتمثيل»، لا قضية شعبٍ يطلب دولته. ولكن هيهات هيهات لما يتمنون! فالشرعية الحقة لا تُستجدى، ولا تُستعار، ولا تُختطف، إنما تنبثق من منابع أربعة، هي أركان الوجود الجنوبي، ودعائم المشروع الوطني الذي لا يهن ولا يلين.

أول هذه المنابع: شرعية التحرر الجغرافي؛ شرعية الأرض التي انتزعها أبناؤها من براثن الاحتلال الحوثي والإرهاب شبرًا شبرًا، وقريةً قريةً، وجبلًا جبلًا. أرضٌ حُررت بدماء أبنائها، لا ببيانات الشجب والإدانة، ولا بمقررات المؤتمرات البعيدة. وهذا التحرر الجغرافي ليس مجرد حدثٍ عسكريٍّ عابر، بل هو صكُّ ملكيةٍ جديد، سُطِّر بمداد الدم، وثُبِّت بشهادة الشهداء، وأُثبِت في سجلات التاريخ الذي لا يزيف. وثانيها: شرعية الدم؛ شرعية التضحيات التي قدمها شعب الجنوب، ولا يزال يقدمها، منذ العام 1994م وإلى يومنا هذا. دماء الشهداء التي سالت في كل شبرٍ من أرض الجنوب، من المهرة إلى حضرموت، ومن شبوة إلى أبين، ومن لحج إلى الضالع إلى عدن. هذا الدم ليس مجرد سائلٍ أحمر جفَّ على التراب، بل هو مداد أبديٌّ كُتبت به وثيقة الاستقلال، وهو الحبر الذي لا يمحى، والعهد الذي لا ينقض، والميثاق الذي لا يسقط بالتقادم. وثالثها: شرعية الشعب وإرادته الصلبة؛ شرعية الإجماع الوطني على مطلبٍ واحدٍ هو استعادة دولة الجنوب العربي كاملة السيادة. مطلبُ إرادة شعب، وثمرة وعيٍ جمعيّ، وحصيلة نضال أجيالٍ متعاقبة، حملت الراية جيلًا بعد جيل، وتسلمتها الأيدي الواحدة تلو الأخرى، دون أن تسقط، ودون أن تنكسر، ودون أن تنحرف عن هدفها. ورابعها: شرعية الكيان السياسي الوطني؛ شرعية المجلس الانتقالي الجنوبي العربي، الذي لم يأتِ من فراغ، ولم يُصنع في مختبرات السياسة، بل وُلد من رحم الإرادة الشعبية، وتشكل في قلب الميادين، وترسخ في وجدان الملايين. والمجلس الانتقالي كيان يمثل إرادة شعب الجنوب، ويعبر عن تطلعاته، ويقود مشروعه التحرري نحو الغاية المنشودة. وهو بهذا المعنى ليس مجرد هيئةٍ سياسية، بل هو المرجعية القانونية والسياسية والأخلاقية التي تحتكم إليها الإرادة الشعبية، وتستند إليها في مسيرتها نحو الاستقلال.

وفي قلب هذه المنظومة المتكاملة من الشرعيات، يبرز الرئيس القائد عيدروس الزُبيدي، لا كقائدٍ ثوري وبطل نضالي فحسب، ولا كرئيسٍ لمجلسٍ انتقالي، بل كمفوَّضٍ شعبي، ورمزٍ وطنيٍّ جامع، وحاملٍ لأمانة الملايين. تفويضًا لم يخرج من مؤتمر، ولا يُمنَح من قوةٍ خارجية، ولم يُشترَ بصفقةٍ سياسية، بل خرج من رحم الشعب، وصدر عن إرادته الحرة، وتجسد في تلك المليونيات العارمة التي ملأت الساحات وهتفت باسمه قائدًا للمشروع التحرري. وصار هذا التفويض الشعبي عقدًا سياسيًّا حيًّا يربط القائد بشعبه، ويربط الشعب بمشروعه، ويربط المشروع بالأرض والدم والتاريخ. وهو بهذا المعنى يتجاوز كل الشرعيات الهشة، ويسمو فوق كل الاعتبارات المصطنعة، ويقف شامخًا في وجه كل محاولات الإقصاء والتهميش. فحين يتحدث الرئيس الزُبيدي، فإنما يتحدث بلسان الملايين، وحين يقرر، فإنما ينفذ إرادة الجماهير، وحين يتكلم ويعبر، فإنما يعبر عن آمال جنوبه العربي، وأحلام شعب، وتطلعات أجيال. وهذا هو المعنى الحقيقي للشرعية: أن يكون القائد من الشعب، وإلى الشعب، وبالشعب.

إن النضال الجنوبي ليس وليد اللحظة، بل وليد مسار طويل، شاق، ممتد، بدأ منذ العام 1994م، يوم أن أُجهِض مشروع دولة الجنوب، ويوم أن ظن الظانّون أن قضية شعبه قد طُوِيت، غير أنه انتفض، وقاوم، وضحّى، وقدم الغالي والنفيس، جيلًا بعد جيل، حتى وصلنا إلى هذه اللحظة الفارقة. هذا المسار النضالي الممتد ليس مجرد ذاكرة تستعاد، بل هو مشروع نضالي متكامل، له أهدافه الواضحة، وله وسائله المشروعة، وله محطاته المضيئة. وهو يمثل في جوهره الرغبة الصلبة لشعب الجنوب في استعادة دولته، وتجسيد ذاته، وصنع مستقبله بيديه. وقد أثبت هذا المسار، عبر كل محطاته، أن قضية شعب الجنوب ليست قضية سلطة، ولا صراعًا على مغنم، بل هي قضية تحرر وطني، تسعى لاستعادة الحق المسلوب، والدولة المغتصَبة، والهوية المهدورة. وهي بهذا المعنى تتجاوز حدود اللحظة السياسية الراهنة، لتستند إلى شرعية التاريخ، وشرعية التضحية، وشرعية الإرادة الشعبية.

واليوم، في هذه المرحلة الدقيقة من مسيرة النضال، يبرز النضال السلمي المقاوم كأداةٍ مركزية، وكاستراتيجيةٍ شاملة، وكطريقٍ وحيد لإثبات الشرعية وانتزاع الاعتراف. وهو بهذا العمل لا يجسد فعلًا تكتيكيًّا مرحليًّا، ولا خيارًا مؤقتًا، بل هو الرافعة التأكيدية التي تثبت للعالم أجمع أن لا شرعية في الجنوب إلا شرعية الإرادة الشعبية، وأن لا تمثيل خارج إطار المجلس الانتقالي، وأن لا قيادة إلا للرئيس المفوض من الشعب. وتصبح المليونيات العارمة التي تخرج في ساحات الجنوب، حاملةً راية الدولة، وهاتفةً باسم الرئيس الزُبيدي، ومؤكدةً على تفويض المجلس الانتقالي، ليست مجرد حشودٍ بشرية، بل هي استفتاءات حية، وانتخابات دائمة، وبيعات متجددة، تعلن للقاصي والداني أن هذا الشعب قد قال كلمته، واختار طريقه، وفوَّض قيادته، ولن يحيد عن ذلك قيد أنملة. وهذه المليونيات ليست نهاية المطاف، بل هي البداية؛ فالشعب الجنوبي، الذي خبر النضال وأتقن أدواته، لن يقف عند حدود المظاهرات والمسيرات، فهو يمتلك من الوسائل السلمية ما يجعله قادرًا على التصعيد، والانتقال من مربع إلى مربع، وفق برامج مدروسة، وخطوات محسوبة، تبدأ بالتأكيد على أن التفويض هو مصدر القرار، وأن الكيان الذي يرضاه الشعب هو المشروع السياسي الوحيد، ثم تنتقل إلى مراحل أكثر تقدمًا، وأشد تأثيرًا. وهو بهذا النضال السلمي المقاوم سوف يذهل الإقليم والمجتمع الدولي بأدواته النضالية الجديدة، واستراتيجياته الكفاحية المتطورة، القادرة على إيصال الرسالة، وتحقيق الأهداف، وانتزاع الحقوق. وفي مقدمة هذه الأدوات تأتي خيارات العصيان المدني الموجَّه، ليس كفوضى عارمة، بل كفعلٍ سياسيٍّ واعٍ، يمارسه الشعب بإرادته الحرة ويعلن أنه لن يكون رهينةً لأي سلطة لا تنبثق من إرادته. ويكون نضاله هذا رسالة واضحة لمن يحاولون اختطاف الشرعية يقول لهم فيها: إنكم بلا شعب، فكيف تكون لكم شرعية؟ وهو بوعيه النضالي، وبقيادته الحكيمة، وبتفويضه الواضح، قادر على الانتقال من المظاهرات إلى التصعيد، ومن التصعيد إلى العصيان، ومن العصيان إلى انتزاع أحقية شرعية التمثيل في أرضه، والتأكيد على مسار تضحياته. وهذا ليس تهديدًا ولا وعيدًا، بل هو وصف لواقعٍ نضاليٍّ سيتشكل ويجسد إرادة شعب لا تعرف الانكسار.

وهو بهذا النضال سوف يثبت للعالم أن الجنوب شعب، وأن لهذا الشعب قضية، وأن لهذه القضية ممثلين، وأن لهؤلاء الممثلين شرعيةً لا تقبل الجدل. وهو بهذا الطريق يبدأ من شرعية الأرض التي حررها أبناؤها بدمائهم، ويمر عبر شرعية الدم الذي روى ثرى الجنوب، ويتعزز بشرعية الشعب الذي فوَّض قيادته، ويترسخ بشرعية الكيان السياسي الذي يمثل الإرادة الشعبية، ليصل في النهاية إلى شرعية الاعتراف التي ستتوِّج هذا النضال الطويل بالنجاح، ويعلن للعالم أجمع: لا شرعية فوق إرادة الشعب، ولا تمثيل خارج إطار المجلس الانتقالي، ولا قيادة إلا للرئيس عيدروس الزُبيدي، ولا اعتراف إلا بعد استعادة دولة الجنوب العربي كاملة السيادة.