آخر تحديث :الإثنين - 27 أبريل 2026 - 07:07 م

كتابات واقلام


حين يُحتل الوطن وتُدار الثروات كغنيمة

الإثنين - 27 أبريل 2026 - الساعة 05:39 م

صالح حقروص
بقلم: صالح حقروص - ارشيف الكاتب


ليس من السهل توصيف لحظة يتحول فيها الوطن من كيانٍ سيادي إلى مساحةٍ مفتوحة للنهب والتقاسم. فالأوطان حين تُحتل لا تُسلب أرضها فقط، بل يُعاد تشكيل مصيرها الاقتصادي والسياسي بحيث تصبح مواردها جزءًا من لعبةٍ أكبر من إرادتها.
في بعض الحالات، لا يقتصر الأمر على وجود قوة احتلال تفرض سيطرتها المباشرة، بل يتجاوز ذلك إلى منظومة معقدة تُدار فيها الثروات كغنيمة موزعة: جزء يُستنزف عبر السيطرة المباشرة، وجزء آخر يُعاد توجيهه عبر قنوات سياسية واقتصادية هدفها شراء النفوذ، أو ضمان الصمت، أو تثبيت واقع قائم لا يُراد له أن يتغير.
هنا لا يعود الاقتصاد وسيلة للتنمية، بل يتحول إلى أداة لإعادة إنتاج الواقع نفسه. تُضخ الأموال لا لبناء مستقبل، بل لإدارة توازنات دقيقة تُبقي الوضع كما هو: ضعفٌ مستدام، واستنزافٌ منظم، ومجتمعٌ يُرهق بالاحتياجات اليومية حتى يفقد القدرة على التفكير في التغيير.
الأخطر في هذه المنظومة ليس فقط فقدان الثروة، بل تحويل العالم إلى شريكٍ غير مباشر في استمرارها. فحين تُستخدم الموارد نفسها لشراء المواقف أو التأثير في القرار الدولي، يصبح الصمت جزءًا من المعادلة، ويصبح استمرار الأزمة أقل كلفة على البعض من إنهائها.
ومع ذلك، فإن التاريخ لا يثبت هذه المعادلات إلى الأبد. فكل نظام يقوم على استنزاف الشعوب مهما بدا راسخًا، يحمل في داخله عوامل تفككه: وعيٌ يتراكم، وأجيالٌ ترفض التطبيع مع الواقع، وصوتٌ يتشكل ببطء لكنه لا يُمحى.
إن أخطر ما يمكن أن يُفرض على وطن ليس الاحتلال وحده، بل تحويله إلى حالة "اعتياد"؛ أن يُصبح الظلم مألوفًا، والنهب نظامًا، والسكوت خيارًا مفروضًا. لكن الشعوب التي تدرك هذه المعادلة مبكرًا، تمتلك دائمًا فرصة كسرها، حتى لو تأخر الزمن.
في النهاية، تبقى الحقيقة ثابتة: لا يمكن لأي منظومة تقوم على تقسيم الوطن بين قوةٍ تنهب وأخرى تُصمت أن تدوم إلى ما لا نهاية، مهما طال الزمن أو تعقّدت الأدوات.

الصحفي صالح حقروص
2026/4/27م