آخر تحديث :الجمعة - 01 مايو 2026 - 07:19 م

كتابات واقلام


الإعلام بين حرية التعبير ومسؤولية التأثير: قراءة في واقع مأزوم

الجمعة - 01 مايو 2026 - الساعة 06:57 م

صالح حقروص
بقلم: صالح حقروص - ارشيف الكاتب


لم يعد الإعلام، في زمن التحولات الكبرى والصراعات المفتوحة، مجرد وسيلة لنقل الخبر أو منصة لعرض وجهات النظر، بل بات فاعلًا رئيسيًا في تشكيل الوعي الجمعي وصياغة المواقف السياسية. هذه الحقيقة تفرض إعادة التفكير في دوره، خاصة في القضايا الوطنية الحساسة التي لا تحتمل التبسيط أو التوظيف الضيق.
في السياقات المنقسمة، كما هو الحال في العديد من التجارب الإقليمية، يتحول الإعلام إلى ساحة موازية للصراع السياسي، بل وأحيانًا إلى أداة من أدواته. وهنا تكمن الإشكالية: هل يقوم الإعلام بدوره في نقل الواقع كما هو، أم يشارك في إعادة تشكيله وفقًا لأجندات محددة؟ الواقع يشير إلى أن الخط الفاصل بين الوظيفتين بات شديد الضبابية.
حرية الإعلام تظل مبدأً أساسيًا لا يمكن التنازل عنه، فهي الضامن الأول لتعدد الأصوات وكشف الحقائق. لكن هذه الحرية، في المقابل، لا يمكن أن تكون مطلقة في بيئات هشة أو منقسمة، حيث قد يؤدي الانفلات الإعلامي إلى تغذية الكراهية وتعميق الانقسامات. التجارب الدولية أثبتت أن الإعلام غير المسؤول قادر على أن يكون وقودًا للأزمات بدل أن يكون أداة لفهمها أو حلها.
المعضلة الحقيقية لا تكمن في وجود إعلام حر، بل في غياب إعلام مهني. فحين يغيب الالتزام بالمعايير المهنية، ويتحول الإعلام إلى منصة تعبئة وتحريض، يفقد وظيفته الأساسية كمجال للنقاش العام، ويتحول إلى أداة استقطاب. وفي هذه الحالة، لا يعود الجمهور متلقيًا للمعلومة، بل يصبح طرفًا في صراع تغذّيه الروايات المتناقضة.
إحدى أبرز الإشكاليات تتمثل في سيطرة الخطاب الحزبي أو الرسمي على المشهد الإعلامي، مقابل غياب إعلام عمومي مستقل يعكس هموم المجتمع ويتيح مساحة حقيقية للحوار. هذا الغياب يترك فراغًا تملؤه أصوات متطرفة أو منحازة، ما يعمّق الأزمة بدل أن يسهم في معالجتها.
إن التحدي اليوم لا يقتصر على الدفاع عن حرية الإعلام، بل يتعداه إلى بناء نموذج إعلامي يجمع بين الحرية والمسؤولية. نموذج يقوم على الدقة، ويحتكم إلى القانون، ويدرك حساسية المرحلة السياسية، دون أن يقع في فخ التهييج أو التضليل. فالإعلام، في نهاية المطاف، ليس مجرد ناقل للواقع، بل شريك في تشكيله، وهذه مسؤولية لا يمكن الاستهانة بها.
وفي ظل هذا الواقع، تبرز الحاجة إلى دور أكبر للباحثين والأكاديميين والجيل الجديد من الإعلاميين، ليس فقط في ممارسة العمل الإعلامي، بل في نقده وتطويره. فالإعلام الذي لا يخضع للنقد، يتحول سريعًا إلى أداة مغلقة تعيد إنتاج أخطائها.
بين الحرية والمسؤولية، يقف الإعلام على مفترق طرق. إما أن يكون جسرًا للفهم والحوار، أو أداة لتعميق الانقسام. والاختيار، في النهاية، ليس تقنيًا ولا مهنيًا فحسب، بل هو خيار أخلاقي يعكس وعي القائمين عليه بحجم تأثيره وخطورة دوره.

الصحفي صالح حقروص
2026/5/1م