آخر تحديث :الخميس - 30 أبريل 2026 - 11:22 م

كتابات واقلام


الذكرى (53) لجريمة تفجير طائرة الدبلوماسسين

الخميس - 30 أبريل 2026 - الساعة 10:45 م

د. معن عبدالباري قاسم
بقلم: د. معن عبدالباري قاسم - ارشيف الكاتب



كل عام يمرعلينا تاريخ 30 أبريل تثقل قلوبنا الذكرى بالحزن والاسى المسكون بالالم والحسرة. ففي مثل هذا اليوم من العام 1973، تم تدبير حادث تفجير طائرة الدبلوماسيين بعد إقلاعها بنصف ساعة صبيحة يوم الاثنين من مطار عتق بمحافظة شبوة( المحافظة الرابعة بمسميات ذلك الزمن) والتي راح ضحيتها 25 شخصاً منهم النخبة من سفراء اليمن الديمقراطي – انذاك – الذين شاركوا في المؤتمر الدبلوماسي الاول والاخير، وعلى راسهم وزير الخارجية محمد صالح عولقي ، وسيف الضالعي – وزير الخارجية الاسبق وسفيرنا في العراق، ومحمد صالح الشاعر سفيرنا في موسكو، وعبدالباري قاسم سفيرنا في شرق افريقيا( الصومال ، كينيا وتنزانيا) بالاضافة الى زملاءهم الاخرين –رحمهم الله جميعا -في السلك الدبلوماسي والتي كثيرا ما تم استعراض سيرتهم العطرة في السنوات الماضية .
لكنني سأحاول في هذه السطور المحدودة استذكر ذكرى وفاة والدي بتاريخه المشرق، ولست مكترثا ً أبداّ لعقلية الثأر والمناكفة بقدر حزني والمي الشديد لفقدان شخصية والدي القيادية المثقفة والتربوية الفذة.
وفي هذه الذكرى (53) لمأساة الدبلوماسية اليمنية وفقدان والدي استذكر ثلاث محطات لشخصية والدي الإنسانية والتربوية ببعدها الاسري والمجتمعي.

المحطة الأولى: الاقربون أولى بالمعروف
حرص والدي على حفظ تواصل صلة الرحم بأقاربه من اخوته وأبناءهم والاقرباء لطرف زوجته السيدة المناضلة والدتنا العزيزة/ عائشة عمر عوض الصياد أطال الله في عمرها. فمنذ تعينه سفيراً فوق العادة مفوضا لدى جمهورية الصومال الديموقراطية في يونيو 1970، لاحقاً مضافاً اليها جمهورية تنزانيا وكينيا العام 1971، بعد إستقالة من منصبه كوزيرا للتربية والتعليم ،حرص والدنا لدعوة اخوته بعد ابناءهم وقارباء والدتنا لزياتنا والإقامة على حسابه الشخصي معنا في مسكن السفير.
أتذكر هنا قصة لطيفة لعمي محمد سعد رحمه الله – شقيق الوالد من طرف الام ( كان اماما لمسجد المهدلي بكريترجوار سوق البلدية وقرب ماعرف شعبيا بجولة الفل) حيث حضر لبضعة أسابيع للإقامة معنا، وذات يوم وجدته يذرف الدمع وهو يحدثني عن انه يرغب بالعودة الى عدن لان والدي منعه من أكل فاكهة المانجو الصومالية الذيذة وكانت فاكهة كبيرة الحجم وعالية التركيز من السكر الحلو. ذهبت الى والدي انقل مشاعر التعاطف مع عمي واستوضح الامر منه فقد جرت العادة على اجواء المحاورة والاقناع بالحجة والمنطق التي درج والدي على تربيتنا عليها وهي صفات زرعت فينا روح المرونه الدبلوماسية للقبول وعدم التسلط او التشدد في الرأي حيث اوضح لي ان مبعث منع تقديم المانجو له من حرصه على صحته كونه يعاني من مرض السكري، . ما اضحكني وبقى في ذاكرتي- عندما عدت الى عمي لتوضيح تصرف والدي في ذلك الامر- هو قول عمي عندما نقلت حرص والدي على صحته وخوفه عليه من ان يهدد المرض حياته حيث قال عمي " خليني اروح لربي شبعان وليس جيعان".
كذلك جاء للإقامة معنا أبناء عمي عبدالرحمن احمد وهما محمد عبدالرحمن احمد ( الذي عرف لاحقا باسمه الأدبي ميفع، وكذلك إبراهيم عبدالرحمن رحمهم الله) وقد مكثا لمدة عام 1971 والتحقا بالمدرسة الثانوية المصرية والعربية الوحيدة التي كانت آنذاك موجودة في العاصمة الصومالية مقديشو.ولكنهما عادا بعد فصل دراسي فقط الى عدن لمشكلات في التكيف مع البيئة الجديدة وصرامة القواعد الدبلوماسية المقيدة للحركة امام سن الشباب المندفعة.
تقبل وتفهم والدي كل الخصائص العمرية وتغير البيئة وغياب زملاء المدرسة.. الخ لحنين الاقرباء واخوتهم الأصغر سنا خصوصا بعد موت والديهما.
كذلك كانت تاتي جدتي مريم لامي –رحمها الله - مراراً للإقامة معنا وتلك لعيني كانت من اجمل الأيام قضيتها ولي فيها ذكريات قوية محفوظة لكونها شخصية حكواتية بامتياز لتاريخ قصص مضحكة من مدينة كريتر وتفاصيلها في حافة حسين لما قبل الاستقلال.

الدرس المستخلص:
الاهتمام بالأقارب والتوصي بهم ورعايتهم رغم الهم السياسي الوطني والدبلوماسي واعباءه التي بلا حدود، ولكن دوما علينا ان نجعل مساحة لمن نحبهم ونسكنهم في قلوبنا.

المحطة الثانية: بناء الأجيال مسؤولية وطنية
وهذه القصة استذكرها من الدكتور صالح مبارك عميد كلية الهندسة في جامعة عدن، امده الله بصحة والعافية، ففي احدى الأيام زارنا في منزل الوالد بعدن ومع السهرات الرمضانية الجميلة واستذكر لنا واقعه، عندما كان والدنا سفيرا في الصومال حيث درس صالح هناك الثانوية العامة ولقد فادني بأن والدنا رشحهما وزميله عمر عبدالعزيز لمنحة دراسية في جمهورية رومانيا الاشتراكية – ضمن نشاطات المركز الثقافي الذي اسسه والدنا في مقديشو لرعاية ابناء الجالية اليمنية هناك ، واضافة بأنه و زميله عمر لم يصدقا ان ذلك الامر يمكن ان يتحقق وظلا يشككان في احتمالية السفر حتى لحظة اقلاع الطائرة من مطار عدن متوجهة الى رومانيا ( لم يصدقا ان ترشيحا للسفير من مقديشو، يمكن أن يتم إعتماده وتنفيده ، وهو مايعكس قوة البنية المؤسسية للدولة أنذاك) في تحقيق حلم الدراسة لشابين بسيطين من عامة الشعب من أبناء المهجر.
لاحقا د. صالح مبارك تخرج في مجال الهندسة المدنية واصبج عميداً لكلية الهندسة بجامعة عدن
د. عمر عبدالعزيز تخرج من مجال العلوم لانسانية- فلسفة واداب- واصبح رئيساً لتلفزيون عدن في عقد الثمانينات حتى هاجر لظروف قسرية الى دولة الامارات واصبح علماً ثقافيا وفكريا هناك.
الدرس المستخلص
الاهتمام بالاجيال ودعمهم بروح وطنية مخلصة بعيداً من الانتماء القروي او الطبقي الضيق من منطلق ادرك انهم أعمدة المستقبل هو ما أثبتته الايام بصدق التواقعات في عودتهم وإخلاصهم لبناء الوطن بما تيسر لهم به سبيلا..

المحطة الثالثة
جرت العادة لكلما اتفقت الظروف لتواجد جيراننا الأعزاء الأستاذ الوزير محمود مدحي وكذلك الأستاذ الفاضل الوزير أحمد عبيد الفضلي وكلهما تحمل وزارة المالية و التجارة بالتبادل في مراحل مختلفة من عقدي السبعينات والثمانينات) على زيارتهما في أيام الأعياد " الفطر والاضحى " تقديراً لحق الجيرة والمودة و الاحترام ، واستذكرهنا في احدى تلك المرات من العام 2010 وفي منزل جارنا الوزير أحمد عبيد الفضلي تواجد الشيخ ورجل الاعمال المعروف " صالح باثواب" والذي قدمنا للتعريف له جارنا العزيز أحمد الفضلي وكنا الاربعة البررة ( معن، لؤي، خلدون ووليد) فاذا بالشيخ باثواب يعلق بوقار وتنهد، بانه سيتذكر والدنا في واقعه شهيرة حضرها شخصيا في سبتمبر من العام 1970 وتلك، كانت في ذكرى تابين الرئيس المصري الراحل جمال عبدالناصر والذي أقامه السفير المصري في كينيا ( جاءت زيارة والدنا على هامش افتتاح ممثلية اليمن الديمقراطية الدبلوماسية في كيينا آنذاك/.. وسرد كيف انه في فعالية التابين تلك لذكرى عبدالناصر فكلما قام سفيرا ، بدأ بالسفير المصر ثم السوري ثم الليبي يجهش بالبكاء ولا يستطيع الحديث واذا بالمرحوم والدكم عبدالباري قاسم يصعد المنصه ويتحدث بطلاقة واسهاب و حماسة وبمعلومات وذكريات شخصية عن عبدالناصر والقيادة العربية وادوارهمم في مراحل الكفاح المسلح لثورة الجنوب حتى أنحبست الانفس للحضور حتى اذا ما انتهى من كلمته صفق الجميع متخيلين انفسهم في فعالية احتفالية ونسوا انهم في ذكرى تابين".
وعلق مازحاً الشيخ باثواب بالقول " اذكر اننا بعد تلك الخطبة، قلنا لو قال لنا السفير عبدالباري قاسم اخرجو مسيرة لخرجنا من الحماسة، لما سمعنا من صدق القول ومن إنسان عاصر الاحداث " وأضاف: "رحم الله والدكم الشهيد عبدالباري قاسم.. كانوا من خيرة القادة للثورة والوطن الذين خسرناهم "
الدرس المستخلص
امتلاك المهارات القيادية المثقفة والمطلعة والمشاركة بالاحداث وثيقة الارتباط بامتدادها الوطنية والعربية والإقليمية التاريخية.. هي نموذج للكوادر الوطنية المؤهلة لقيادة تلك المرحلة وعنصرجذب ساعد في إنتصار الثورة وتحقيق الاستقلال وإلتفاف فئات المجتمع بمختلف تصنيفاتها.

د. معن عبدالباري قاسم