آخر تحديث :الخميس - 30 أبريل 2026 - 09:32 م

كتابات واقلام


قوة السيادة بصوت النفط… ولا مكان لمن ظنّ نفسه مركز الثقل

الخميس - 30 أبريل 2026 - الساعة 08:41 م

علي سيقلي
بقلم: علي سيقلي - ارشيف الكاتب


في عالمٍ تُقاس فيه الدول بقدرتها على اتخاذ القرار قبل قدرتها على تبريره، لا تبدو الخطوات الكبرى مجرد مواقف عابرة، بل لحظات فاصلة تعيد رسم موازين النفوذ. ومن هذا الباب، يمكن قراءة انسحاب دولة الإمارات من منظمة أوبك، ليس كخروجٍ من تكتل نفطي، بل كإعلانٍ صريح عن نضج سياسي واقتصادي بلغ حد الاكتفاء بالذات.
لم يكن القرار ارتجالًا، ولا نزوة سياسية عابرة، بل نتاج مسار طويل من بناء أدوات القوة: تنويع اقتصادي، استثمارات عابرة للقارات، وقدرة على التأثير في سوق الطاقة خارج الأطر التقليدية. حين تمتلك الدولة بدائلها، تصبح الشراكات خيارًا، لا قيدًا. وهذا تحديدًا ما يجعل القرار الإماراتي مختلفًا في جوهره؛ فهو انتقال من موقع “العضو” إلى موقع “الفاعل المستقل”.
على مدى سنوات، ظلت أوبك تمثل مظلة تنسيقية للدول المنتجة، لكنها في الوقت ذاته فرضت سقوفًا لا تتناسب دائمًا مع طموحات بعض أعضائها. الإمارات، التي رفعت طاقتها الإنتاجية واستثمرت بكثافة في البنية التحتية للطاقة، لم تعد ترى في تلك السقوف تعبيرًا عن مصالحها بقدر ما هي قيود على اندفاعها. وهنا، يصبح الانسحاب فعلًا عقلانيًا، لا تصعيديًا.
الأهم من القرار ذاته، هو توقيته. فالعالم اليوم يعاد تشكيله على وقع تحولات الطاقة، من الوقود الأحفوري إلى البدائل المتجددة، ومن الهيمنة الجماعية إلى المرونة الفردية. في مثل هذا السياق، لا تنتظر الدول الذكية أن يُعاد تعريف دورها داخل المنظمات، بل تبادر إلى تعريف نفسها خارجها. وهذا ما فعلته الإمارات بدقة لافتة.
أما القراءة التي تحاول اختزال القرار في سياق تنافسي ضيق، أو تقديمه كرسالة موجهة لدول بعينها، فهي قراءة تفتقر إلى العمق. فالدول لا تبني استراتيجياتها على ردود الأفعال، بل على حسابات المصالح طويلة الأمد. ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن كل قرار سيادي بهذا الحجم، يعيد ترتيب المشهد، ويضع الآخرين أمام حقيقة بسيطة: النفوذ لا يُمنح، بل يُنتزع.
في الإقليم، حيث اعتادت بعض القوى تقديم نفسها باعتبارها “الثقل الوحيد”، يأتي هذا النوع من القرارات ليكسر احتكار السردية، لا بالصخب، بل بالفعل. فالفارق بين من يتحدث عن العظمة، ومن يمارسها، هو الفارق بين خطابٍ يستهلك اللحظة، وقرارٍ يصنعها.
الإمارات، بهذا المعنى، لم تخرج من أوبك بقدر ما خرجت من قالبٍ تقليدي لم يعد يتسع لطموحها.
اختارت أن تكون لاعبًا بمرونة أعلى، وقدرة أكبر على المناورة، واستقلالية أوسع في تحديد سقف إنتاجها وسياساتها. وهذا بحد ذاته رسالة: السيادة لا تُقاس بحجم الدولة، بل بقدرتها على اتخاذ القرار في اللحظة التي يتردد فيها الآخرون.
في النهاية، ليست كل القرارات الكبيرة صاخبة، لكن بعضها يترك صدى لا يُخطئه أحد. وهذا واحد منها.