آخر تحديث :الأحد - 24 مايو 2026 - 09:51 م

كتابات واقلام


"جريمة الابتزاز الغفورية"

الأحد - 24 مايو 2026 - الساعة 09:51 م

حسين عبدالله بن عطاف
بقلم: حسين عبدالله بن عطاف - ارشيف الكاتب


حين تتحول جريمة إنسانية بشعة إلى وسيلة للابتزاز السياسي والتشفي المناطقي، فإننا لا نكون أمام خطاب حقوقي أو موقف أخلاقي، بل أمام سقوط فكري وإنساني كامل. وهذا بالضبط ما فعله مروان الغفوري حين حاول استثمار جريمة اغتصاب الأطفال في عدن لتصفية حساباته السياسية مع المجلس الانتقالي الجنوبي والرئيس عيدروس الزبيدي، عبر خطاب متخم بالكراهية والتعميم والتحريض.
الجريمة مدانة بكل المقاييس، ولا يمكن لأي إنسان سوي أن يبررها أو يتهاون معها، لكنها في النهاية تبقى جريمة فردية تحدث ـ للأسف ـ في مختلف المجتمعات والدول، بما فيها أكثر البلدان تقدمًا واستقرارًا. أما تحويلها إلى دليل لإدانة مدينة كاملة أو شعب بأكمله أو مشروع سياسي بعينه، فهو انحدار أخلاقي لا يليق بكاتب أو روائي أو أكاديمي يفترض فيه الحد الأدنى من الموضوعية والوعي.
الغفوري يتحدث عن عدن وكأن الجرائم والفساد والعنف بدأت بعد 2015، متجاهلًا عمدًا تاريخًا طويلًا من الحروب والصراعات والانهيارات التي صنعتها منظومة الحكم اليمنية المتعاقبة، والتي أوصلت البلاد كلها إلى هذا الواقع المنهك. بل إن كثيرًا من المظاهر التي يتحدث عنها كانت موجودة قبل ظهور المجلس الانتقالي نفسه بسنوات طويلة، لكن المشكلة الحقيقية بالنسبة للبعض اليوم أن الجنوب بدأ يرفض العودة إلى عقلية الوصاية القديمة، وهذا ما يثير غضبهم.
الأخطر في خطاب الغفوري ليس النقد السياسي، فالنقد حق مشروع، بل محاولته ربط كل الانهيارات الأخلاقية والسياسية باسم “الزبيدية” أو بشخص عيدروس الزبيدي، وكأن ملايين الجنوبيين مجرد أدوات فاقدة للإرادة. هذا ليس تحليلًا سياسيًا، بل خطاب تحريضي قائم على الكراهية والتجريد الجماعي، هدفه صناعة صورة شيطانية للجنوب وقضيته السياسية.
وفي مجتمع قبلي محافظ مثل اليمن، فإن كثيرًا من الجرائم الأخلاقية كانت تُعالج تاريخيًا عبر ما يُعرف اجتماعيًا بـ”الكلفتة”، أي احتواء القضية داخل نطاق ضيق خشية الفضيحة الاجتماعية. وفي أحيان كثيرة يسعى أهل الضحية أنفسهم إلى إغلاق الملف أكثر من أهل الجاني حفاظًا على السمعة الاجتماعية، وقد تُفرض على الجاني أحكام عرفية قاسية كالنفي أو التصفية أو العزل الكامل بعيدًا عن القانون والدولة الهشة أصلًا. وهذا لا يبرر الجريمة إطلاقًا، لكنه يوضح طبيعة المجتمع وآليات تعامله التقليدية مع مثل هذه القضايا.
لذلك فإن تحويل القضية اليوم إلى مادة للتحريض السياسي أو المناطقي أو القبلي يمثل جريمة أخرى لا تقل قبحًا عن الجريمة الأصلية، لأنها تقوم على استثمار معاناة الضحايا لأغراض الابتزاز والكراهية والتشفي السياسي.
عدن أكبر من مقالات التحريض، وأشرف من أن تُستخدم مأساتها لبناء بطولات وهمية أو تصفية حسابات سياسية رخيصة. ومن يريد الدفاع فعلًا عن الأطفال والضحايا، فعليه أن يطالب بدولة قانون وعدالة ومحاسبة حقيقية، لا أن يحول الألم الإنساني إلى منصة للكراهية والطعن بهوية شعب كامل.