آخر تحديث :الجمعة - 07 أغسطس 2026 - 09:21 م

اخبار وتقارير


الإستفتاء وحق تقرير المصير : قراءة قانونية في خصوصية القضية الجنوبية

الجمعة - 07 أغسطس 2026 - 08:30 م بتوقيت عدن

الإستفتاء وحق تقرير المصير : قراءة قانونية في خصوصية القضية الجنوبية

قراءة / البروفيسور توفيق جزوليت

تُعد القضية الجنوبية من القضايا التي تثير إشكاليات قانونية تختلف عن العديد من حالات تقرير المصير التي عرفها القانون الدولي خلال العقود الماضية. ويرجع ذلك إلى أن الجنوب لم يكن إقليمًا خاضعًا للاستعمار أو يتمتع بحكم ذاتي محدود، بل كان دولة مستقلة ذات سيادة كاملة، هي جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، وعضوًا في الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية وعدد من المنظمات الدولية، قبل قيام الوحدة مع الجمهورية العربية اليمنية في 22 مايو 1990.


ومن ثم، فإن أي تحليل قانوني للقضية الجنوبية ينبغي أن ينطلق من هذه الحقيقة التاريخية والقانونية، لا من افتراض أنها تماثل جميع قضايا تقرير المصير الأخرى.


أولًا: الأساس القانوني للقضية الجنوبية


تقوم خصوصية القضية الجنوبية على أن الوحدة اليمنية نشأت باتفاق بين دولتين مستقلتين تتمتعان بالشخصية القانونية الدولية. ولذلك، فإن أي نقاش قانوني حول مستقبل هذه الوحدة يستوجب دراسة طبيعة الاتفاق المنشئ لها، ومدى تأثير التطورات اللاحقة على استمراره، في ضوء قواعد القانون الدولي، ولا سيما قانون المعاهدات، ومبدأ تقرير المصير، ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة.


وبذلك، فإن القضية الجنوبية ليست مجرد مطالبة سياسية بالانفصال، وإنما تُطرح – من منظور قانوني – بوصفها نزاعًا يتعلق بمصير علاقة قانونية نشأت بين دولتين ذواتي سيادة.


ثانيًا: هل يشترط القانون الدولي إجراء استفتاء؟


لا يتضمن ميثاق الأمم المتحدة، ولا العهدان الدوليان لعام 1966، ولا قرارات الجمعية العامة ذات الصلة، قاعدة قانونية عامة تجعل الاستفتاء شرطًا إلزاميًا في جميع حالات تقرير المصير.


فالاستفتاء يُعد إحدى الوسائل المشروعة للتعبير عن الإرادة الشعبية، لكنه ليس الوسيلة الوحيدة التي اعتمدها المجتمع الدولي.


وقد أثبتت الممارسة الدولية أن معالجة قضايا تقرير المصير تمت بوسائل متعددة، من بينها الاتفاقات السياسية، والتسويات الدولية، والقرارات الصادرة عن الأمم المتحدة، والإجراءات الدستورية، والاستفتاءات عندما اقتضت الظروف ذلك.


وعليه، فإن القانون الدولي لا يفرض نموذجًا إجرائيًا موحدًا، وإنما يترك تحديد الآلية المناسبة وفق خصوصية كل حالة.


ثالثًا: دلالة السوابق الدولية


تُظهر التجارب الدولية أن الاستفتاء لم يكن دائمًا المصدر المنشئ للحق، وإنما جاء في كثير من الأحيان في إطار عملية قانونية وسياسية أوسع.


ففي إريتريا وجنوب السودان وتيمور الشرقية، سبق الاستفتاء اتفاق سياسي أو إطار قانوني دولي متكامل.


أما في كوسوفو، فقد أُعلن الاستقلال دون استفتاء، ولم تقرر محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري لعام 2010 وجود قاعدة عامة تُلزم بإجراء استفتاء لإعلان الاستقلال.


وفي تشيكوسلوفاكيا تم الانفصال السلمي باتفاق سياسي ودستوري دون استفتاء.


وتؤكد هذه النماذج أن القانون الدولي يتعامل مع كل حالة وفق ظروفها الخاصة، وليس وفق قاعدة إجرائية موحدة.


رابعًا: تطبيق ذلك على القضية الجنوبية


انطلاقًا من خصوصية الجنوب باعتباره دولة مستقلة قبل الوحدة، فإن السؤال القانوني الأساسي لا يتمثل في ما إذا كان يجب إجراء استفتاء، وإنما يتمثل في دراسة المركز القانوني للوحدة ذاتها، وآثار الأحداث اللاحقة عليها، ومدى استمرار الأساس الذي قامت عليه.


ومن هذا المنطلق، فإن أي معالجة دولية للقضية الجنوبية ينبغي أن تبدأ بتحليل الوضع القانوني للدولة الجنوبية قبل عام 1990، وطبيعة اتفاق الوحدة، والتطورات اللاحقة، ثم تحديد الآلية المناسبة لمعالجة النزاع.


إن خصوصية القضية الجنوبية تقتضي عدم إخضاعها تلقائيًا للنماذج التي طُبقت في حالات أخرى، لأن لكل قضية إطارها القانوني والتاريخي الخاص.

ومن ثم، فإن تقييمها ينبغي أن يستند إلى:


* المركز القانوني للجنوب بوصفه دولة مستقلة قبل الوحدة.

* الطبيعة القانونية لاتفاق الوحدة بين دولتين ذواتي سيادة.

* الآثار القانونية للتطورات التي أعقبت الوحدة.

* مبادئ القانون الدولي المتعلقة بتقرير المصير، واحترام الاتفاقات، والإرادة الحرة للشعوب.


وبناءً على ذلك، فإن القانون الدولي لا يفرض الاستفتاء باعتباره شرطًا لازمًا لمعالجة القضية الجنوبية، وإنما يترك تحديد الآلية المناسبة في ضوء خصوصية هذه القضية، وبما ينسجم مع قواعد القانون الدولي والشرعية الدولية.


إن القوة القانونية للقضية الجنوبية لا تستند إلى القول بأن الاستفتاء غير مطلوب، وإنما إلى أن القانون الدولي لا يجعل الاستفتاء قاعدة إلزامية في جميع حالات تقرير المصير، وأن خصوصية الجنوب، باعتباره دولة ذات سيادة دخلت في وحدة مع دولة أخرى، تقتضي تحليلًا قانونيًا مستقلًا يختلف عن قضايا تصفية الاستعمار التقليدية.


ولذلك، فإن المدخل القانوني الأكثر اتزانًا أمام المجتمع الدولي هو التركيز على الطبيعة القانونية للدولة الجنوبية قبل الوحدة، والأساس القانوني للوحدة، والآثار المترتبة على التطورات اللاحقة، مع التأكيد على أن اختيار الآلية المناسبة لتسوية النزاع يجب أن يتم في إطار القانون الدولي، ودون افتراض وجود نموذج إجرائي واحد ينطبق على جميع الحالات.