آخر تحديث :الأربعاء - 27 مايو 2026 - 06:03 م

كتابات واقلام


إرادة شعب الجنوب:بين شرعية الاحتكام وتجاوزها كمعارضة

الأربعاء - 27 مايو 2026 - الساعة 05:20 م

د.أمين العلياني
بقلم: د.أمين العلياني - ارشيف الكاتب


في عتمة الغرف المغلقة، حيث تُدار دفة السياسة بمنأى عن ضجيج الجماهير، وحيث يُعتقد أن صوت المدافع قد يُسكت صوت الحق، تُحاك اليوم خيوط مؤامرة جديدة ليس على شعب الجنوب فحسب، بل على جوهر وجوده السياسي ومشروعه التحرري. لقد أصبح ما يُخطط له في أروقة الرياض توجهًا مكشوفًا كالشمس في رابعة النهار، يستهدف بحد السيف إرادة شعب الجنوب العربي، ويعمل بكل ثقله على تجاوزها وتهميشها، وليس ذلك لهوى عابر، بل لأن هذه الإرادة الشعبية الجنوبية، المتجذرة كالجبال، هي وحدها صمام أمان المشروع التحرري، وهي صاحبة القرار المطلق في تفويض من تراه مناسبًا، ورمزًا وطنيًا صلبًا، يحمل تلك الأمانة بيدٍ من حديد، ويجعل من صلابتها مسارًا نضاليًا واضحًا، يحقق رغبة شعب بأكمله وتطلعاته المشروعة في استعادة دولته الجنوبية المستقلة كاملة السيادة.

ومن هنا تحديدًا، تنطلق أروقة الرياض بكل إمكاناتها المادية الهائلة وأدواتها السياسية الناعمة والخشنة، في محاولة محمومة لتجاوز إرادة شعب الجنوب العربي، والتحايل عليها بما يشبه لعبة قذرة. وهم بهذه المحاولة لا يواجهون الإرادة، بل يلتفون حولها عبر هدم تجسيدها الحي، هدم وعائها السياسي المتمثل في المجلس الانتقالي الجنوبي العربي. وهم بهذه المحاولة يعملون على استراتيجية الأرض المحروقة: من تفريخ كيانات هزيلة، وافتعال مسارات مدينة لا تملك من شرعية شعب الجنوب إلا ختم الرياض، وفتح بوابة من المبادرات الوهمية التي لا تهدف إلى الحل، بل إلى التشتيت. وفي قلب هذه الهندسة الماكرة، يبرز طرح مبادرة "فئات المجتمع التسع" كنموذج تمثيلي مزعوم عن إرادة شعب الجنوب، وكأن الحق التاريخي يمكن تقسيمه إلى حصص، أو كأن إرادة الملايين تُختزل في لجان معينة. ولا دليل على هذا التوجه أوقع من أنه محاولة يائسة للالتفاف على إرادة شعبنا الشعبية العارمة التي باتت، في وعي الجميع، صمام أمان المشروع الجنوبي التحرري الذي يُراد له أن يُكسر أو يُروض.

ويأتي استهداف الرئيس القائد عيدروس الزبيدي، ومحاولة تجاوزه كممثل تفويضي لتلك الإرادة الشعبية، تتويجًا لهذا النهج المكشوف. وتمثل محاولة تجاوزه ليس عداءً لشخصه ورمزيته فحسب، بل هو طعن متعمد في خاصرة المشروع الجنوبي التحرري ذاته، وإعلان حرب على مبدأ التفويض الشعبي، وتعزيز لمسار يستهدف تصفية المشروع الجنوبي التحرري برمته. لكن شعب الجنوب، وقد خبر دهاليز السياسة ومكرها، يفهم هذه الألاعيب ويدرك خلفياتها قبل أن تكتمل فصولها. ومن هنا، لم يكن خياره الصمت، بل خرج في مليونياته الغاضبة العارمة، لا ليعلن تأييدًا، بل ليجدد وثيقة التفويض الشعبي بدماء الشهداء ودموع الأمهات، وليوثق العهد والوعد للرئيس عيدروس الزبيدي، إنصافًا لإخلاصه، وانتصارًا لوطنيته، وحماية لمشروعها السياسي التحرري من عبث العابثين ومؤامرات المتآمرين.

والآن، تتكشف كواليس الرياض عن السيناريو الكامل: إن المجلس الانتقالي الجنوبي العربي، بصفته المشروع السياسي المعبر عن إرادة شعب، يجب أن يتحول من كيان صاحب شرعية احتكام إلى مجرد "معارضة" يمكن احتواؤها أو تجاهلها. وفي المقابل، فإن الكيانات السياسية الهلامية التي تحاول الرياض صناعتها وتفريخها في المختبرات السياسية، هي من يجب أن تُلبس ثوب الشرعية البديلة لمشروع الشعب وإرادته الصلبة، لتصبح هذه الكيانات قابلة للتطويع لأي مشاريع وتسويات شاملة تخدم الشمال على حساب دماء شهداء الجنوب وتضحياته. والرياض في هذه العملية تسعى إلى قلب كامل للموازين، واستبدال ممنهج للحقائق، يُراد بها أن تتحول إرادة الجنوب الحية إلى ظل، وأن تتحول الكيانات المصطنعة إلى أصل. لكن هيهات، فشعب الجنوب الذي صمد في وجه العواصف، لن تنطلي عليه سراب الرياض، وسيبقى ممسكًا بجمرة حقه حتى تتحقق دولته، أو يرث الله الأرض ومن عليها.

وسوف يكشف الشعب عبر قياداته في المجلس الانتقالي الجنوبي العربي تلك الخطط والألاعيب، ويقاومها بنضال سلمي مقاوم، كما أعلنه الرئيس عيدروس الزبيدي في خطاباته في ذكرى التفويض بداية هذا الشهر.