آخر تحديث :الإثنين - 15 يونيو 2026 - 08:18 م

كتابات واقلام


الجعدي بين النص والتأويل

الإثنين - 15 يونيو 2026 - الساعة 07:01 م

علي سيقلي
بقلم: علي سيقلي - ارشيف الكاتب


يمكن قراءة تغريدة فضل الجعدي من زاويتين مختلفتين: الأولى زاوية النص ذاته، والثانية زاوية التوقيت والسياق السياسي الذي قيل فيه ، من حيث المضمون، فإن حديث الجعدي لا يتضمن إشارة مباشرة إلى الرئيس عيدروس الزبيدي، بل يعبر عن فكرة سياسية معروفة في أدبيات الحركات الوطنية والتحررية، ومفادها أن القضايا الكبرى لا تموت برحيل قادتها، وأن المشروع السياسي الناجح يتحول من ارتباطه بالأشخاص إلى ارتباطه بالجماهير. وهذه الفكرة سبق أن استخدمتها حركات ودول وأحزاب كثيرة عند الحديث عن استمرارية المشاريع الوطنية بعد غياب الرموز المؤسِسة.

لكن السياسة لا تُقرأ بالنصوص فقط، بل أيضاً بالإيحاءات والسياقات. وهنا بدأت التأويلات. فالجعدي لم يتحدث عن قائد تاريخي رحل بالفعل، بل استخدم صيغة افتراضية تتناول "موت القائد السياسي أو غيابه"، وهو ما دفع بعض المتابعين إلى الربط تلقائياً بين التصريح وبين الزبيدي باعتباره الشخصية الأكثر حضوراً وتأثيراً في المشهد الجنوبي الحالي.

هذا الربط لم ينشأ من العبارة وحدها، بل من حقيقة أن المجلس الانتقالي ظل طوال سنوات مرتبطاً في الوعي الشعبي بشخصية الزبيدي باعتباره القائد الأبرز للمشروع الجنوبي المعاصر. ولذلك فإن أي حديث عن غياب القائد أو رحيله يُفسَّر فوراً لدى قطاع من الجمهور على أنه حديث عن الزبيدي، حتى لو لم يُذكر بالاسم.
ومن الناحية السياسية، يمكن فهم منشور الجعدي على أنه محاولة لترسيخ مفهوم مؤسساتية القضية الجنوبية، وإعادة التأكيد على أن المشروع السياسي لا ينبغي أن يكون رهيناً ببقاء شخص أو مغادرته للمشهد. وهي رسالة تحمل في جوهرها بعداً تنظيمياً يهدف إلى طمأنة القواعد بأن القضية الجنوبية أكبر من قياداتها، وأن استمرارها لا يتوقف على وجود فرد مهما كانت مكانته.
في المقابل، رأى بعض المراقبين أن اختيار هذا التوقيت تحديداً هو الذي منح التصريح زخمه وجدله، لأن المجتمعات السياسية الحساسة تجاه قياداتها عادة ما تتعامل مع مثل هذه العبارات بحذر، خصوصاً عندما تتناول مسألة "الموت" أو "الغياب" في ظل غياب أي مناسبة تستدعي هذا الطرح بشكل مباشر. لذلك انتقل النقاش سريعاً من مضمون الفكرة إلى محاولة تفسير دوافع نشرها.

أما القول إن الجعدي أراد إيصال رسالة مفادها أن "عيدروس الزبيدي مات والقضية باقية"، فهو استنتاج لا يسنده النص المنشور نفسه. فالتصريح يتحدث بصيغة نظرية عامة، ولا يتضمن أي إشارة صريحة أو ضمنية مؤكدة إلى وفاة أو غياب الزبيدي. لكن ما يمكن قوله إن المنشور فتح الباب أمام هذا النوع من التأويلات بسبب طبيعة الصياغة وحساسية الموقع الذي يشغله الزبيدي في الوجدان السياسي الجنوبي.
واللافت أن الجدل الذي أثاره المنشور انتهى عملياً إلى تكريس الفكرة التي تحدث عنها الجعدي نفسه؛ إذ تحولت النقاشات من الأشخاص إلى السؤال الأكبر: هل القضية الجنوبية مشروع مرتبط بقائد بعينه، أم أنها أصبحت فكرة جمعية قادرة على الاستمرار بمعزل عن الأفراد؟

وهذا ربما هو جوهر الرسالة السياسية الأعمق في التصريح: التأكيد على أن الزعامات تصنع المراحل، لكن القضايا الوطنية هي التي تصنع التاريخ، وأن قوة أي مشروع سياسي تُقاس بقدرته على البقاء بعد مؤسسيه، لا بقدرته على البقاء بوجودهم فقط.

الإثنين 15 يونيو 2026م