آخر تحديث :السبت - 20 يونيو 2026 - 01:18 ص

كتابات واقلام


عدن ليست ضيفاً على الجنوب..

السبت - 20 يونيو 2026 - الساعة 12:27 ص

شكيب حبيشي
بقلم: شكيب حبيشي - ارشيف الكاتب


ننظر بإيجابية إلى أي جهد يهدف إلى جمع أبناء الجنوب وتقريب وجهات النظر بينهم، ونؤمن أن الحوار والتشاور هما الطريق الأمثل لبناء رؤية مشتركة حول مستقبل الجنوب ومكانته السياسية، وحول سبل معالجة الأزمات المتفاقمة التي أثقلت كاهل المواطن، وضمان مشاركة الجنوبيين في أي تسوية سياسية شاملة تستهدف استعادة الدولة وتحقيق الأمن والاستقرار.

لكن ما يثير الاستغراب والاستياء في آن واحد هو إصرار القائمين على اللقاءات التشاورية التي تشهدها الرياض على انتهاج أسلوب الإقصاء والتهميش، من خلال حصر الدعوات في أطراف ومكونات بعينها، والتكتم على طبيعة هذه اللقاءات وأهدافها ومخرجاتها المتوقعة، مع تعمد واضح لاستبعاد شخصيات عدنية فاعلة ومؤثرة، وكأن عدن أصبحت خارج المعادلة الجنوبية أو مجرد تفصيل يمكن تجاوزه.

إن عدن ليست مدينة هامشية يمكن القفز فوقها، وليست طرفاً طارئاً على القضية الجنوبية، بل كانت ولا تزال قلب الجنوب السياسي والاقتصادي والثقافي، وحاضنة نضالات أبنائه وتضحياتهم. ومن يتوهم أن بإمكانه رسم مستقبل الجنوب بعيداً عن عدن وأبنائها إنما يعيد إنتاج الأخطاء ذاتها التي أوصلتنا إلى ما نحن عليه اليوم.

لقد دفع الجنوب ثمناً باهظاً لعقود من سياسات الإقصاء والاحتكار والاستئثار بالقرار. ولم تكن نتائج تلك السياسات كارثية على أبناء عدن وحدهم، بل امتدت آثارها لتطال مختلف مناطق الجنوب. فالنزعة الإقصائية لا تتوقف عند حدود مدينة أو فئة معينة، بل تتغول بطبيعتها لتبتلع الجميع، وتحوّل الشراكة إلى هيمنة، والتنوع إلى تبعية، والحوار إلى إملاء.

ومن المؤسف أن بعض من يتصدرون المشهد اليوم لم يستوعبوا بعد دروس التاريخ القاسية، ولم يتعلموا من المآلات التي انتهت إليها مشاريع الوصاية والولاية السياسية التي مزقت الجنوب وأدخلته في دوامات من الصراعات والانقسامات. وكأن عقارب الساعة تعود إلى الوراء لإعادة إنتاج التجارب الفاشلة نفسها بأدوات وشعارات جديدة.

إن أي لقاءات أو مشاورات تُعقد تحت عنوان الجنوب، بينما يتم فيها استبعاد عدن ورموزها الوطنية والاجتماعية والسياسية، تفتقد منذ البداية إلى مقومات الشمول والتمثيل الحقيقي، وتضع علامات استفهام مشروعة حول أهدافها وغاياتها. فكيف يمكن الحديث عن بناء توافق جنوبي واسع في الوقت الذي يتم فيه إقصاء واحدة من أهم الحواضر الجنوبية وأكثرها تأثيراً؟

إن أبناء عدن لن يقبلوا أن يُتعامل معهم بوصفهم متفرجين على صناعة مستقبلهم ومستقبل وطنهم. ومن حقهم الكامل، بل ومن واجبهم، أن يرفضوا كل محاولات التهميش والإقصاء، وأن يتمسكوا بحقهم المشروع في المشاركة المتكافئة في أي حوار أو مشاورات أو ترتيبات سياسية تتعلق بمستقبل الجنوب واليمن عموماً.

رسالتنا إلى القائمين على هذه اللقاءات واضحة وصريحة: إن الجنوب الذي تسعون إلى بنائه لا يمكن أن يقوم على الإقصاء، ولا يمكن أن يستقر على قاعدة الاحتكار، ولا يمكن أن ينجح إذا جرى التعامل مع عدن باعتبارها رقماً يمكن شطبه من المعادلة. فعدن ليست مجرد مدينة، بل هي عنوان للشراكة والتعدد والانفتاح، وأي مشروع يتجاوزها أو يتجاهل أبناءها محكوم عليه بأن يحمل في داخله بذور فشله منذ اللحظة الأولى.

إن الطريق إلى مستقبل آمن ومستقر يبدأ بالاعتراف بحق الجميع في المشاركة، واحترام التعدد السياسي والاجتماعي والجغرافي، والتخلي عن أوهام الوصاية والاحتكار. وما لم يحدث ذلك، فإن هذه اللقاءات ستظل تدور في دائرة مغلقة، عاجزة عن إنتاج توافق حقيقي أو بناء ثقة مفقودة أو صناعة مستقبل يتسع للجميع.

*شكيب حبيشي*