آخر تحديث :الجمعة - 19 يونيو 2026 - 02:11 ص

كتابات واقلام


حسابات الحكومة الضيقة ومقتضيات العدالة الدولية

الجمعة - 19 يونيو 2026 - الساعة 01:32 ص

د. أديب الشاطري
بقلم: د. أديب الشاطري - ارشيف الكاتب


في خطوة أثارت الكثير من التساؤلات حول جديتها وأهدافها الحقيقية، تقدمت الحكومة اليمنية بمطالبة لمجلس الأمن الدولي بإدراج رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي، عيدروس الزبيدي، على قائمة العقوبات الأممية بتهمة "الخيانة العظمى". هذا التحرك، بدلاً من أن يكون خطوة نحو العدالة، يكشف عن أزمة عميقة في التعاطي الرسمي مع القضية الجنوبية، ويطرح علامات استفهام حول مدى استقلالية القضاء الوطني ومدى نزاهة توظيف المؤسسات الدولية في صراعات داخلية.

من المبادئ الأساسية في القانون الدولي أن اللجوء إلى مجلس الأمن ليس بديلاً عن القضاء الوطني، بل هو استثناء يحدث عندما تتحول الأفعال إلى تهديد صريح للسلم والأمن الدوليين. الحكومة اليمنية، التي تدّعي السيادة، كان عليها أولاً أن تثبت جديتها في بناء نظام قضائي قادر ومستقل، قادر على محاكمة أي شخصية سياسية أو عسكرية، بغض النظر عن موقعها. لكنها، بدلاً من ذلك، فضّلت نقل الملف إلى الخارج، مما يثير تساؤلات مشروعة حول نيتها الحقيقية: هل تسعى لتحقيق العدالة، أم تبحث عن وسيلة للتصفية السياسية تحت غطاء دولي؟

منذ القرار 2140 لعام 2014، وضع مجلس الأمن معايير واضحة لإدراج الأسماء على قائمة العقوبات الخاصة باليمن، والتي تركز على تهديد السلم والأمن الدوليين، وعرقلة العملية السياسية، وارتكاب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان. الأسماء التي أُدرجت سابقاً، مثل علي عبد الله صالح وعبد الملك الحوثي، أُدرجت بسبب أفعال ذات طابع دولي واضح، وليس بسبب خلافات سياسية داخلية أو اتهامات بالخيانة.
يضع الحكومة اليمنية في موقف محرج: فمحاولة إدراج شخصية سياسية معارضة تحت بند "الخيانة العظمى" هو إساءة واضحة لآليات العقوبات الدولية، ويُظهر أن الحكومة تفتقر إلى الرؤية القانونية والسياسية المتزنة، وتسعى لاستغلال المنابر الدولية لتصفية حساباتها الداخلية.

القضية الجنوبية ليست قضية شخص أو مكون سياسي، بل هي قضية شعب له حقوق سياسية واقتصادية واجتماعية، وله تطلعات مشروعة في تقرير مصيره. الوقوف إلى جانب القضية الجنوبية يعني دعم هذه الحقوق، وليس بالضرورة دعم أي فرد أو تنظيم. الحكومة، من خلال تركيزها على شخصنة الصراع ومحاولة تجريم الخصوم، تتجاهل جذور المشكلة: التهميش الممنهج، غياب التنمية، وانعدام الثقة بين المركز والأطراف.

يبدو أن حكومة الزنداني تبحث عن كبش فداء بدلاً من معالجة الجذور
كان الأجدر بالحكومة اليمنية، لو كانت جادة في مساعيها، أن تطالب بمحاسبة كل من يثبت تورطه في جرائم حرب أو انتهاكات إنسانية، أياً كان موقعه أو انتماؤه، شمالاً أو جنوباً، لكنها اختارت طريقاً مختلفاً: طريق التصعيد ضد شخصية واحدة، في محاولة يائسة لتحويل الأنظار عن فشلها في بناء دولة ومؤسسات، وعن عجزها عن معالجة القضية الجنوبية في إطار وطني شامل.
هذا الموقف لا يخدم إلا تعقيد الأزمة، ويُظهر الحكومة كطرف في الصراع، لا كحكم نزيه.

أما القضية الجنوبية، فستظل قضية حقوق وعدالة، لا يمكن اختزالها في قائمة عقوبات أو اتهامات سياسية.

د. أديب الشاطري