آخر تحديث :الأربعاء - 24 يونيو 2026 - 10:29 م

كتابات واقلام


عندما يصبح الرأي ذنباً يحتاج إلى توبة

الأربعاء - 24 يونيو 2026 - الساعة 09:47 م

علي سيقلي
بقلم: علي سيقلي - ارشيف الكاتب


في السياسة يختلف الناس، وفي الاختلاف تتولد الأفكار، وتتنافس المشاريع، وتُختبر القناعات. هكذا يفترض أن تكون الحياة العامة في أي مجتمع طبيعي. لكن المشكلة تبدأ عندما يتوقف البعض عن النظر إلى خصومهم باعتبارهم أصحاب رأي مختلف، ويبدأون في التعامل معهم باعتبارهم أصحاب خطيئة يجب أن يتوبوا منها.

وحين يصل الخطاب السياسي إلى مرحلة مطالبة المخالفين بـ"التوبة"، فإننا لا نكون أمام خلاف سياسي، بل أمام عقلية ترى نفسها مالكة للحقيقة المطلقة، وتمنح نفسها حق توزيع صكوك الوطنية والإيمان والانتماء على الآخرين.

هذه الظاهرة ليست جديدة في عالمنا العربي. فمنذ عقود، اعتادت بعض الجماعات والتيارات على خلط السياسي بالديني، وتحويل الخصومة السياسية إلى معركة أخلاقية أو عقائدية. فمن يختلف معها لا يُوصَف بأنه مخطئ في التقدير، بل خائن. ولا يُنظر إليه باعتباره منافساً سياسياً، بل منحرفاً عن الطريق القويم يحتاج إلى مراجعة نفسه والعودة إلى "الجادة".

والمفارقة أن أصحاب هذا الخطاب غالباً ما يرفعون شعارات الحرية والتعددية والديمقراطية، لكنهم لا يحتملون وجود رأي لا يدور في فلكهم. يؤمنون بحق الجميع في التعبير، بشرط أن يكون التعبير مطابقاً لما يريدون سماعه.

إن أخطر ما في هذا النوع من الخطاب أنه لا يكتفي بإلغاء الرأي الآخر، بل يمهد الطريق للتحريض ضده. فحين تُقنع جمهورك أن خصمك ليس مجرد مخالف لك، بل شخص ضال أو خائن أو منحرف، فإنك تزرع في النفوس بذور الكراهية التي قد تتحول لاحقاً إلى ممارسات أكثر خطورة.

لقد علمتنا تجارب الشعوب أن المجتمعات لا تنهار بسبب الاختلاف، بل بسبب العجز عن إدارة الاختلاف. فالخلاف سنة بشرية، أما تحويله إلى حالة من التخوين والتكفير السياسي فهو بداية الانحدار نحو الاستقطاب والصراع.

وفي الجنوب كما في غيره من المجتمعات، لا يمكن بناء مستقبل مستقر إذا ظل البعض يتعامل مع السياسة بعقلية الفرقة الناجية والجماعة المختارة. فالقضايا الوطنية لا تُدار بمنطق التوبة والولاء، وإنما بمنطق الحوار والاحتكام إلى الإرادة الشعبية واحترام حق الآخرين في تبني خيارات مختلفة.

ومن حق أي إنسان أن يؤيد ما يشاء من مشاريع سياسية، وأن يعارض ما يشاء منها، وأن يغيّر قناعاته متى اقتنع بخطئها. لكن ليس من حق أحد أن ينصب نفسه وصياً على ضمائر الناس، أو أن يتحدث وكأنه يملك مفاتيح الوطنية، فيمنحها لمن يشاء ويحجبها عمن يشاء.

فالرأي ليس جريمة، والاختلاف ليس خطيئة، والسياسة ليست ديناً يحتاج الناس فيه إلى توبة كلما اختلفوا مع جماعة أو حزب أو تيار.

وعندما تصبح التوبة مطلوبة من أصحاب الآراء، فاعلم أن المشكلة لم تعد في الرأي المختلف، بل في العقل الذي لم يتعلم بعد أن الوطن يتسع للجميع، وأن الحقيقة ليست حكراً على أحد.