آخر تحديث :الأحد - 28 يونيو 2026 - 11:17 م

ثقافة - أدب - فن


منبــــــــــــــــوذ ..قصة قصيرة

الأحد - 28 يونيو 2026 - 10:02 م بتوقيت عدن

منبــــــــــــــــوذ ..قصة قصيرة

شوقي دوشـــن/ بسام الحروري

منذ بدءِ الخليقةِ كانت الكلمةُ. وُلِدتْ حينها من حرفينِ في عالمٍ يعجُّ بالحروفِ والأصواتِ، فكانتِ "الحاءُ" و"الباءُ" كأنهما توأمانِ لا يفترقانِ. يمشيانِ جنباً إلى جنبٍ، محاطَينِ بالخمائلِ والمروجِ، يرويانِ الأرضَ بجمالِهما. ومن شدةِ حبِّهما للحياةِ، كانت كلُّ الحروفِ تحلمُ بالعيشِ بين أذرعِهما الدافئةِ.


وفي اليومِ الذي قرّرا فيه استدعاءَ الحروفِ جميعاً لبناءِ معانٍ ساميةٍ، وللتعايشِ تحت رايةٍ واحدةٍ، تخلّفَ حرفُ "الراءِ". وكان يتخذُ مكانه في جبهاتِ الشرِّ المناوئةِ: كـ"ريبةٍ"، و"خرابٍ"، و"ضررٍ"، و"انهيارٍ"، و"إرٍهاب"، و"كراهيةٍ". وحتى هذه الجبهاتُ لم تمنحْهُ مكاناً ثابتاً ليستقرَّ فيه، نظرا لتحول وتغير تموضعه كل مرة فيها، فبات محل شك بينهم وظلّتْ تنبذُهُ من مكانٍ إلى آخرَ. ولم يُعجبْهُ هذا التذبذبُ، فرأى أن قوى الشرِّ قد اجتمعتْ على اضطهادِهِ.


فقرَّرَ حينهاا الانضمامَ إلى ضفةِ "الحاءِ" و"الباءِ"، لكنّه كان قد تأخرَ كثيراً. فقد أخذتِ بقيةُ الحروفِ أمكنتَها، ولم يعدْ هنالك متسعٌ للوافدِ الضالِّ. فصار منبوذاً من الطرفينِ، واشتعلَ جوفُهُ بنارِ الحقدِ والغيرةِ التي فاضتْ وطالتْ كلَّ شيءٍ جميلٍ.


وشنَّ ثورتَهُ ناقماً عليهم، لعلَّهُ يجدُ مكاناً يتموضعُ فيه.فتسلل خلسة وأقحم ذاتَهُ برعونة بين "الحاءِ" و"الباءِ". وما إن فعلَ حتى استشرت نارُهُ مدمرة السكينةَ والسلمَ الإنسانيَّ، حين سرتْ في ضرامِها المجنون تنهش نفسَها وكلَّ من يعترضُها على امتداد هشيمِ رقعةِ الكوكبِ المتحضِّرِ.