آخر تحديث :السبت - 25 يوليو 2026 - 01:33 م

كتابات واقلام


مرآة الماضي… يناير آخر التاريخ!

السبت - 25 يوليو 2026 - الساعة 12:12 م

احمد عبداللاه
بقلم: احمد عبداللاه - ارشيف الكاتب


يفصلنا عن يناير 1986 أربعون عاماً، ومع ذلك لا تزال بعض القنوات تتعامل معه، بين حين وآخر، وكأنه آخر حدث وقع في التاريخ. فكلما شح الإبداع في قراءة أزمات الحاضر، فتحت أرشيف دولة الجنوب، ونفضت عن يناير غبار الزمن، ثم قدمته للمشاهد بوصفه مادة عابرة للمواسم. وكأن التاريخ، بعد كانون الثاني ذلك، توقف عن كتابة فصوله.

يقال إن الإنسان لا يرى العالم كما هو، وإنما كما اعتاد أن ينظر إليه. ولعل هذا يفسر لماذا لا يزال بعض الإعلام ينظر إلى الجنوب عبر نافذة واحدة اسمها يناير 1986. والمشكلة ليست في النافذة، وإنما في الإصرار على الاعتقاد بأنها تطل على الحاضر، بينما هي لا تطل إلا على فصل قديم يُستخرج من الأرشيف كلما عجز البعض عن قراءة الرواية الجديدة.

ليس ثمة ما يمنع استضافة قادة وسياسيين لاستعراض تجاربهم أو الاستماع إلى آرائهم في قضايا الساعة. لكن المعضلة تبدأ حين يتحول الماضي إلى متن الحوار، بينما يصبح الحاضر مجرد ذريعة للعودة إليه، ويتولى المذيع، باستدراجاته وخبرته، توجيه الضيف نحو الاستنتاجات التي أعدها سلفاً، حتى يبدو الحوار وكأنه رحلة منظمة إلى الوجهة نفسها.

يوضع يناير دائماً في قلب الحديث عن الجنوب، وكأنه المفتاح الوحيد لفهم كل ما جرى وما سيجري، أو العصا التي يُراد بها إخافة كل من يفكر في الدولة الجنوبية. حتى ليخال المشاهد أن التاريخ، طوال أربعة عقود، لم يُنتج قضية أخرى تستحق النقاش.

والمفارقة أن من وُلد في يناير 1986 أصبح اليوم في منتصف العمر، بينما شهد العالم منذ ذلك الحين سقوط الاتحاد السوفيتي، وحروب البلقان، وهجمات الحادي عشر من سبتمبر، واحتلال العراق، والربيع العربي، وصعود التنظيمات المتطرفة، وحروباً أعادت رسم خرائط دول، وأودت بحياة مئات الآلاف، وشردت الملايين. بل إن منطقتنا العربية وحدها عاشت من الكوارث ما يجعل يناير حرفاً صغيراً يكاد لا يُرى في كتاب المآسي العربية.

والأكثر إثارة أن اليمن نفسه يعيش منذ أكثر من عقد واحدة من أعقد أزماته السياسية والإنسانية. فمآلات الحرب جاءت مختلفة عما كان مأمولاً، ولا تزال الأزمة تزداد تعقيداً عاماً بعد آخر، فيما يجد الناس أنفسهم عالقين في منطقة رمادية بين الحرب والسلام، وسط انسداد الأفق وغياب أي تسوية سياسية تنهي معاناتهم.

أليست هذه الملفات أولى بالنقاش والتحليل؟ أليس من حق المواطن العربي أن يفهم كيف وصلت المنطقة إلى هذا الواقع، بدلاً من الاستماع للمرة الألف إلى رواية يعرفها الجميع عن حرب داخلية محدودة انتهت قبل أربعين عاماً؟

أما الجنوب، فقد تجاوز تلك المرحلة منذ زمن. همومه اليوم ليست معارك الأمس، بل تحديات الحاضر واستحقاقات المستقبل، حتى وإن أصرت بعض الفضائيات على محاولة إبقائه أسيراً لأرشيف قديم، وكأنها تعتقد أن إعادة عرض الشريط نفسه كفيلة بتغيير نهاية الفيلم.

ثمة فرق بين من يقرأ التاريخ ومن يسكنه. الأول يستخلص العبرة ثم يمضي، أما الثاني فيحوّل الماضي إلى إقامة دائمة، ويظل أسيراً لمرآة لا تعكس إلا ما كان، ولا تكشف أبداً ما سيكون.

المشكلة ليست في استحضار يناير، وإنما في احتكاره للرواية. فالتاريخ لا يصبح أكثر صدقاً بتكرار الصفحة نفسها، والأمم التي تجعل من الماضي مرجعاً للعبرة تتقدم، أما التي تجعله بديلاً عن الحاضر فتظل تدور في الحلقة نفسها. وبين قراءة التاريخ واستنساخه، تكمن المسافة الفاصلة بين صناعة المستقبل والعيش خارج الزمن.
أحمـــــــــــدع