آخر تحديث :السبت - 25 يوليو 2026 - 08:00 م

كتابات واقلام


الحوثية... عندما تفضح الأفعال الشعارات

السبت - 25 يوليو 2026 - الساعة 07:08 م

وضاح بن عطية
بقلم: وضاح بن عطية - ارشيف الكاتب


ليست المشكلة في الشعارات التي ترفعها الجماعات، فالشعارات يستطيع أي طرف أن يكتبها على الجدران ويرددها في الخطب، لكن المعيار الحقيقي لأي مشروع سياسي هو ما يتركه على الأرض من نتائج، وما يصنعه من واقع، وما يدفعه الناس من أثمان وما يكسب الوطن من نهضة أو إنهيار من عزة وكرامة أو جوع وذل .

ولهذا، فإن تجربة الحوثي خلال السنوات الماضية تكاد تكون واحدة من أسوأ التجارب السياسية في العالم التي اتسعت فيها الفجوة بين الخطاب والممارسة، حتى أصبح التناقض هو السمة الأكثر حضورا في مشروعه على كل الأصعدة .

يرفع شعار (الموت لأمريكا)، بينما كانت بنادقه في في كل الحروب موجهة إلى صدور اليمنيين، فامتلأت المدن بالمقابر، واكتظت السجون بالمعتقلين، وتحوّلت حياة ملايين الأسر إلى معاناة يومية .

وفي مفارقة عجيبة يتحدث عن نصرة الإسلام، بينما لم تسلم دور العبادة ولا العلماء ولا المخالفون له من بطشه، وكأن الخلاف السياسي يبرر له كل شيء ويعلن أنه جاء لإنقاذ الفقراء، لكنه بعد سيطرته على مؤسسات الدولة ضاعف الأعباء على المواطن بالضرائب والجبايات والرسوم، حتى أصبح اليمني يدفع أكثر، ويحصل على خدمات أقل، بينما غابت المرتبات وتراجعت فرص العمل واتسعت دائرة الفقر وادخل الملايين في الجوع .

الحوثي قاد احتجاجات ضد (الجرعة)، ثم فرض على الناس أضعاف ما كان يحتج عليه، في واحدة من أوضح المفارقات السياسية التي عرفها اليمن الحديث ، ويرفع شعار مكافحة الفساد، بينما توسعت شبكات الجباية، وتراجع مبدأ المساءلة، وأصبح النفوذ مرتبطا بالولاء للجماعة والمشرف أكثر من ارتباطه بالقانون .

يتحدث عن السيادة الوطنية، بينما يربط قراره السياسي والعسكري والديني بالمشروع الإيراني، ويرهن تحركاته الإقليمية مع مصالح طهران ولا تعكس أولويات اليمنيين ومصالح العرب والمسلمين .

أخطر التحولات تمثلت في انتقال جماعة الحوثي من السيطرة على مؤسسات الدولة إلى توظيف الموقع الجغرافي لليمن ضمن صراعات إقليمية، ليصبح البحر الأحمر وباب المندب جزءا من معادلات تخدم الأجندات الإيرانية .

ففي الوقت الذي يحتاج فيه اليمن إلى الاستقرار المعيشي والأمني وإعادة الإعمار، وجد نفسه في قلب أزمات بحرية واقتصادية متلاحقة انعكست على التجارة والاستثمار والاقتصاد، وزادت من معاناة المواطن الذي لا يبحث إلا عن راتب وخدمة وأمن ومستقبل لأبنائه .

إن أخطر ما تصنعه المليشيا العقائدية ليس الحرب وحدها، بل قدرتها على إقناع أتباعها بأن الشعارات تكفي لإخفاء الوقائع. لكن الوقائع لا تختفي، لأنها تُقاس بما يحدث على الأرض، لا بما يُقال فوق المنابر ، ولهذا، فإن الحكم على أي مشروع سياسي لا يكون بما يرفعه من لافتات، بل بما يحققه للدولة من سيادة، وللمواطن من كرامة، وللاقتصاد من استقرار، وللوطن من استقلال في قراره .

أما حين تتسع المسافة بين الشعار والواقع، فإن الشعارات تتحول إلى عبء على أصحابها، ويصبح التاريخ أكثر إنصافا من الدعاية، لأنه يكتب بالأفعال لا بالأقوال وقد عرف شعب الجنوب كل تلك الحيل، وقاوم الغزو الحوثي سنة 2015م ومازال يقاوم حتى اليوم على حدود الجنوب في أكثر من 37 جبهة قتالية ويقدمون التضحيات الجسيمة بشكل شبه يومي .