آخر تحديث :الثلاثاء - 29 سبتمبر 2026 - 08:08 م

كتابات واقلام


اختلاف الحضارات البشرية، سنة الله في خلقه

الثلاثاء - 29 سبتمبر 2026 - الساعة 07:36 م

د/ عارف محمد عباد السقاف
بقلم: د/ عارف محمد عباد السقاف - ارشيف الكاتب


اختلاف شعوب الأرض في الشرق والغرب، وفي الشمال والجنوب، ليس عيبا ولا نقصا، بل هو سنّة كونية أرادها الله سبحانه وتعالى لحكمة عظيمة، كما قال في محكم تنزيله: "يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم"، وقال ايضا: "ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين". هذا الاختلاف في أصله مصدر ثراء وتكامل، لكن الخلل يبدأ حين تنفصل الحضارات عن القيم التي تضبط مسارها.
لقد أثبت التاريخ أن الحضارات لا تقاس فقط بما تنتجه من علم وتقنية، بل بمدى تمسكها بالقيم التي تحفظ الإنسان وتحقق له التوازن. الحضارة الغربية قدمت إنجازات علمية ومؤسسية كبيرة، ولا يمكن إنكار ما وصلت إليه من تنظيم ودقة، لكنها في الوقت ذاته تعاني من اختلال واضح في البنية القيمية. فقد تحولت الحرية في كثير من صورها إلى تحرر من الضوابط، وتراجعت مكانة الأسرة، وبرزت أنماط تشريعية وسلوكية تتصادم مع الفطرة الإنسانية، ما انعكس في تفكك أسري، وعزلة اجتماعية، وتراجع في معدلات الإنجاب، وهي ظواهر باتت محل نقاش واسع داخل تلك المجتمعات نفسها.
وفي المقابل، فإن مجتمعات كثيرة خارج هذا الإطار لم تسلم هي الاخرى من الخلل، لكنها سلكت مسارا مختلفا، إذ ابتعدت عن جوهر القيم الدينية، واكتفت بالمظاهر، أو تبنت قوانين لا تحقق العدل ولا تصون الكرامة. فالمشكلة ليست في جهة جغرافية بعينها، بل في مدى الالتزام بمنهج قيمي متكامل ينسجم مع الفطرة ويحقق التوازن بين متطلبات الحياة.
الإسلام قدم نموذجا واضحا للحضارة المتوازنة، حيث جمع بين الروح والمادة، وربط بين الحرية والمسؤولية، وجعل الأسرة حجر الأساس في بناء المجتمع، قائمة على المودة والرحمة، كما قال تعالى: "ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة". كما وضع منظومة أخلاقية تقوم على الصدق والعدل والأمانة، وهي قيم لا يستقيم مجتمع بدونها.
وعندما ازدهرت الحضارة الإسلامية، لم يكن ذلك فقط لقوتها العلمية، بل لأنها استندت إلى هذه القيم، فانفتحت على حضارات اليونان والفرس والهند، واستفادت من علومها، ثم أضافت وابتكرت، فكانت بغداد وقرطبة منارات علمية وإنسانية. وكذلك الحال في حضارات أخرى كالصينية والرومانية، التي بلغت شأنا عظيما حين كان لديها نظام وقيم تضبط مسارها، لكنها تراجعت حين اختل هذا التوازن.
إن سن القوانين المخالفة للفطرة، أو إضعاف دور الأسرة، أو تقليص مسؤولية الوالدين في تربية الأبناء، كلها عوامل تساهم في تفكك المجتمع، مهما بلغ من التقدم المادي. كما أن الجمود على أعراف لا تحقق العدل، أو توظيف الدين بشكل شكلي، لا يقل خطورة عن ذلك. فالميزان الحقيقي ليس في الشعارات، بل في مدى تحقيق القيم في الواقع.
الحضارة القابلة للازدهار والاستمرار ليست شرقية ولا غربية بذاتها، بل هي حضارة تقوم على القيم الصحيحة، وتحسن توظيف التنوع، وتوازن بين الأصالة والمعاصرة. حضارة تجعل من الأخلاق أساسا، ومن العلم وسيلة، ومن الإنسان غاية.
وفي عالم اليوم، حيث تتسارع التغيرات وتتشابك الثقافات، تصبح الحاجة أكثر إلحاحا للعودة إلى ميزان القيم، لا لرفض الآخر، بل لتقويم المسار. فاختلاف البشر سيبقى، لكنه لن يكون نعمة حقيقية إلا إذا ظل منضبطا بالأخلاق، وموجها بما يحقق الخير للإنسان، كما أراد الله لعباده.
هكذا فقط يمكن أن تستمر الحضارات، لا بقوتها المادية وحدها، بل بسلامة بنيانها الأخلاقي، وتماسكها الاجتماعي، وصدقها مع الفطرة التي فطر الله الناس عليها.